تقديم
بقلم : الاستاذ عبد القادر عردة الفقه الاسلامي في ثوبه الجديد كان هذا العنوان أمنية فأصبح حقيقة، كان أمنية تهوي إليها النفوس وتهفو إليها القلوب، فأصبح حقيقة مائلة بين دفتي كتاب يستطيع كل قارىء ان ينالها وأن يستمتع بجمالها.
وقبل هذا الكتاب كان عشاق الفقه الإسلامي يحاولون أن ينالوه فلا يستطيع أن يناله منهم إلا البعض وقليل ما هم، لأن الفقه اعتصم من طالبيه في المتون، وتحصن في الشروح، واستعصى على طلابه في اللغة المغلةة والأسلوب العقيم.
وكان كل من له إلمام بالفقه الإسلامي، وكل من عانى من قراءة كتب الفقه الإسلامي، يود أن توطأ للناس كتب الفقه حتى يتيسر لهم قراءتها وتسهل عليهم دراستها، وحتى يستطيعوا أن يوازنوا بين الفقه الحديث وبين الفقه الإسلامي العتيد، ذلك الفقه الغني بموضوعاته ونظرياته واصطلاحاته المتميز بدقته وقوته، ليكون لهم من هذه الموازنة ما يزيد ثقافتهم، ويوسع افاقهم، ويفتح أعينهم، ويوجههم إلى الطريق المستقيم | ## (1) نشر الأستاذ عبد القادر عودة رحمه الله تعالى هذا التقريظ عن الكتاب في مجلة (المسلمون) في القاهرة، السنة الثانية، العدد الخامس (1372 ه/1953م، ص 497 - 500). وننشره اليوم تقديما للكتاب في إخراجه الجديد.
Halaman 4
هذه المشاكل التي كانت تواجه عشاق الفقه الإسلامي والدعاة إليه قد حلها كتاب، وتلك الأماني التي كانت تجيش بها صدورهم قد حققها كتاب، والكتاب الذي حل المشاكل فأحسن حلها وحقق الأماني فأحسن تحقيقها هو كتاب "الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد"، الذي اتخذنا اسمه عنوانا لهذا المقال.
وإذا صح أن الكتاب يقرأ من عنوانه فهذا الكتاب في نظري أول كتاب يدل عليه عنوانه حق الدلالة ويعبر عنه كل التعبير. إن عنوانه هو الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، وكل عبارة من عباراته، وكل فقرة من فقراته، وكل صفحة من صفحاته، هي الفقه الإسلامي في أسلوب جديد وعرض جديد وتنظيم جديد وتوجيه جديد، أو هي الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد كما شاعت الدقة والإحاطة لمؤلفه أن يسميه.
والكتاب سلسلة كتب ظهر منها حتى الآن المدخل الفقهي العام وكتاب الحق والالتزام والأموال والأشخاص، وكتاب عقد البيع، ولا يزال المؤلف يعد كتاب نظرية الالتزام في الفقه الإسلامي. وطريقة المؤلف في الإخراج تدل على أنه سيضيف إلى السلسلة عددا آخر من الكتب .ا ولقد وقع في يدي كتاب المدخل الفقهي العام فوجدت شيئا جديدا وعملا جليلا. فأما أنه شيء جديد فإنه الفقه الإسلامي لم يجر رجاله على هذه الطريقة الحديثة التي جرى عليها المؤلف، ولم يأخذوا بذلك التقسيم العصري الذي أخذ به، حيث تؤصل المسائل، وتعرض الكليات، وتبسط النظريات، وتشرح المصطلحات ثم تستخرج الفروع من أصولها أو ترد الجزئيات إلى كلياتها، أو تطبق النظريات على موضوعاتها، فيخرج الدارس من دراسته وقد الم بالكليات والنظريات، وتماسكت في ذهنه المسائل وارتبطت الفروع بالأصول، واستفاد القدرة على حل المشاكل، والتمييز بين المتشابه .
وأما أنه عمل جليل فلأنه عمل غير مسبوق، ولأنه يقتضي من صاحبه فهما وعقلا وجهدا وصبرا حتى يصل إلى ما وصل إليه المؤلف من مستوى
Halaman 5
رفيع، لا يصل إليه عادة إلا النابهون بعد أن تمهد لهم الطرق ويسبقهم الرواد، فإذا ما وصل المؤلف إلى ما وصل إليه بعد أن شق طريقه في الصخر وكان الرائد لنفسه ولغيره، فتلك هي العبقرية الفذة، أو هو فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
ولقد ساعد المؤلف على الوصول إلى ما وصل إليه، أنه رجل ذو هدف في الحياة، وأنه من أصحاب المثل العليا الذين يعملون ويقولون لوجه الله، فأمده الله جل شأنه بعونه، ورزقه الفهم لدينه وشريعته.
ويلوح أن المؤلف قد عانى من مرارة الاطلاع على كتب الفقه ما عانى، فأخذ على نفسه أن يوطىء الفقه لطلابه. ثم رأى الفقه الإسلامي في ترتيبه وتبويبه وربط فروعه بأصوله متأخرأ قرونا عن الفقه الحديث، فأخذ على نفسه أن ينقل الفقه الإسلامي عبر هذه القرون الطويلة نقلة واحدة يلحقه بالفقه الحديث، فوفقه الله إلى ما أراد، فوطأ الفقه الإسلامي لكل طالب، ونقله بخطوة واحدة جبارة من العصر العباسي إلى عصرنا الحديث فإذا هذا الفقه الغني القوي الذي كان ملتفا في ثوبه العتيق القديم يخرج على الناس في ثوبه الجديد فتيا مشرقا يزاحم الفقه كله بمنكبيه، ويعلن لناس أن فقه الإسلام هو الفقه وأن شريعته هي الشريعة وأن ما اختاره الله لناس هو الخير كل الخير للناس لو كانوا يعلمون والمؤلف الجليل يعلم وهو يقدم على هذا العمل الجليل أنه يقدم على عمل أجل وأعظم من أن يقوم به فرد، وأن هذا العمل يقتضي أن تعاون عليه جهود جماعة من الأساتذة العلماء المطلعين على الفقه الاسلامي والحقوق الحديثة في مصادرها وأساليبها الأجنبية . ولكن الحاجة الملحة إلى السرعة ومسابقة الزمن قضت بأن يقدم على حمل هذا العب الثقيل الذي ينوء بالعصبة أولي القوة مستمدا من الله العون .
ولقد أمده الله بعونه فوفقه إلى أن يخرج كتابأ جامعا لأصول الفقه الإسلامي والنظريات العامة التي تبنى عليها الأحكام في لغة قوية تسيل
Halaman 6
عذوبة ورقة، وفي تنسيق دقيق وترتيب بديع، وربط للفروع بالأصول، وسلسلة منطقية للنظريات والأحكام. ولقد كان هذا الكتاب أول الكتب التي نقص المكتبة الإسلامية، وهو بعد وجوده أول الكتب التي ستبنى عليه النهضة الفقهية الإسلامية. فدارس الفقه الإسلامي في حاجة شديدة إلى هذا الكتاب ليعرف الأسس التي يقوم عليها الفقه، ولترتبط في ذهنه بعض هذه الأسس بالبعض الآخر ويتوجه بعد ذلك في دراسته توجهأ سليما . وأهم ما في الكتاب أن طلبة كلية الحقوق في العالم الإسلامي ستطيعون أن يقرؤوه فلا يشعرون أنهم يقرأون شيئا غريبا عليهم ولا بعيدا عنهم، بل لعلهم سيجدون في قراءته من اللذة العلمية والتعمق الفقهي ودقة التعبير اللغوي والاصطلاحي، ما يجعلهم يفضلونه على غيره من كتب القانون التي تترجم لهم ولا تؤلف، بل لعلهم يجدون فيه من الفن والروح ما لم يجدوه في كتاب آخر.
وقد استطاع المؤلف في سهولة ويسر بما وهبه الله من قوة الفهم وعمق الفقه أن يعرض النظريات الإسلامية العامة كما تعرض النظريات القانونية، وأن يصل كل كلية بفروعها، وأن يستخرج من الفروع كلياتها معتمدا في عمله على المذهب الحنفي، وإن كان يوازن في بعض المسائل بين المذاهب الإسلامية ولا ينسى في أكثر الأحوال أن يوازن بين حكم الشريعة والقوانين السورية.
والكتاب بعد ذلك مرتب ترتيبا منطقيا: فالقسم الأول منه يتكلم عن الفقه ومصادره والترتيب التاريخي لهذه المصادر، وتطور الفقه والأدوار التي مر بها ومميزاته في كل دور. والقسم الثاني يتناول النظريات الأساسية العامة: نظرية الملكية وما يدخل تحتها من أسباب الملكية وتقسيم الملك وخصائص الملكية، ونظرية العقود وما يدخل تحتها من تكوين العقد والارادة وشوائبها وآثار العقود والفسخ والبطلان وغير ذلك مما تتناوله عادة الكتب القانونية، ثم نظرية الأهلية والولاية.. إلخ وهكذا يسير الكتاب من
Halaman 7
نظرية إلى نظرية فلا يترك نظرية حتى يوفيها حقها من البحث ويوفي ما يدخل تحتها من فروع حقها من البحث.
ومؤلف الكتاب لا ينسى أن يذكر بجوار المصطلح الإسلامي المصطلح القانوني ليبين الفرق بينهما في دقة التسمية، وليوسع بذلك معلومات القارىء، وينبه ذهنه إلى الموازنة والتعمق في الفهم والمؤلف الجليل الذي بذل هذا المجهود العظيم وأخرج هذا الكتاب الكريم هو الأستاذ الشيخ مصطفى أحمد الزرقا أستاذ الحقوق المدنية والشريعة الإسلامية في كلية الحقوق بدمشق.
ولعل هذا التوفيق الذي لازم الشيخ في إخراج كتابه يرجع أولا إلى حسن صلة الشيخ بالله؛ فما يوفق هذا التوفيق إلا رجل يسدد الله خطاه ويرجع ثانيا إلى ما أفاء الله على الشيخ مصطفى من فضل الجمع بين دراسة الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية . وكل ذلك ساعد الشيخ الزرقا على أن يحلق في هذا الأفق العالي، وأن يقدم للإسلام والمسلمين أجل الخدمات بهذا الكتاب القيم.
جزى الله الشيخ عن الاسلام والمسلمين خير الجزاء، ونفعنا بعلمه وأمده بالقوة وكتب له التوفيق إنه سميع مجيب.
عبد القادر عردة
Halaman 8
كلمة
(1) بقلم: الدكتور منير العجلاني المدخل الفقهي العام يعد هذا الكتاب، في نظرنا، خير كتاب في التوطئة لدراسة مجلة الأحكام العدلية - القانون المدني العثماني القديم - وهو إلى ذلك دفاع مجيد عن عظمة الفقه الإسلامي، وقد نقل لنا مؤلفه ثلاثة نصوص دولية خطيرة تشيد بمزايا فقهنا ويسرنا أن نثبتها في هذه الكلمة: القرار الأول: اتخذه مؤتمر الحقوق المقارنة المنعقد بمدينة لاهاي في شهر اب من عام 1937 وهو يتضمن ثلاثة مباديء: - "اعتبار الشريعة الاسلامية مصدرا من مصادر التشريع العام.
- اعتبارها حية قابلة للتطور.
- اعتبارها تشريعا قائما بذاته ليس مأخوذا من غيره" .
القرار الثاني: اتخذه مؤتمر المحامين الدولي عام 1948 وهذه رجمته.
اعترافا بما في التشريع الإسلامي من مرونة وما له من شأن ، يجب على جمعية المحامين الدولية أن تقوم بتبني الدراسة المقارنة لهذا التشريع | ## وبالتشجيع عليها".
(1) نشرت هذه الكلمة في فمجلة المجمع العلمي العربي4 بدمشق، في المجلد الثامن والعشرين 1373 ه - 1953 م.
Halaman 10
القرار الثالث: اتخذه مجمع الحقوق المقارنة الدولي المنعقد في باريس 1952 وإليك ترجمته: إن المؤتمرين، بناء على الفائدة المتحققة من المباحث التي عرضت اثناء "أسبوع الفقه الإسلامي" وما جرى حولها من المناقشات التي تخلص منها بوضوح: - أن مبادىء الفقه الإسلامي لها قيمة لا يمارى فيها.
ب - وأن اختلاف المذاهب الفقهية في هذه المجموعة الحقوقية العظمى ينطوي على ثروة من المفاهيم والمعلومات، ومن الأصول الحقوقية، وهي مناط الاعجاب وبها يتمكن الفقه الاسلامي أن يستجيب لجميع مطالب الحياة الحديثة والتوفيق بين حاجاتها.
يعلنون رغبتهم في أن يظل (أسبوع الفقه الإسلامي) يتابع أعماله سنة فسنة، ويكلفون مكتب المؤتمر وضع قائمة للموضوعات التي أظهرت المناقشات ضرورة جعلها أسأ للبحث في الدورة القادمة .
ويأمل المؤتمرون أن تؤلف لجنة لوضع معجم للفقه الإسلامي يسهل الرجوع إلى مؤلفات هذا الفقه فيكون معلمة فقهية تعرض فيها المعلومات الحقوقية الإسلامية وفقا للأساليب الحديثة" .
. وكأن الأستاذ الزرقا قد استجاب لهذا الأمل، حين ألف كتابا في الفقه الإسلامي على الأسلوب الحديث بدأ كتابه بتعريف الفقه الإسلامي، ثم ذكر مصادره الأولى الأربعة الأساسية : الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ومصادره التبعية : الاستحسان والمصالح المرسلة والعرف، ثم بحث في أدوار (أو أطوار) الفقه الإسلامي ، فجعلها سبعة، أولها عصر النبوة، واخرها عصر المجلة - ولسنا معه في هذا
Halaman 11
التقسيم، وإن يكن لعدد (7) سره وسحره1 - ثم دخل في صميم موضوعه وهو : "النظريات الفقهية الأساسية" كنظريات الملك، والعقد والأهلية إلخ ..
لم ينسج فيها على منوال من سبقوه، من شراح المجلة، الذين جعلوا الفقه "فتاوى" و ل"قضايا" و "جزئيات"... وإنما حاول أن يدرس المجلة كما يدرس الأساتذة الفرنسيون في كلية الحقوق بباريس مادة القانون المدني فجمع من أحكام القرآن والحديث وآراء الفقهاء، من مختلف المذاهب، ما يؤلف نظريات عامة تشبه النظريات الأوروبية الحديثة، وقد وفق في محاولته توفيقا كبيرا . فمن قرأ كتابه خرج منه بفائدتين : النظريات الفقهية الجديدة ، لا وله فضل إخراجها، وآراء الفقهاء التي لخصت للقارىء فأغنته عن قراءة عشرات من كتب الفقه!... وعلى إعجابنا بهذا الكتاب الجليل نشير إلى ناحية صغيرة ضعيفة منه كانت بمثابة "الخرزة" الزرقاء.. أو التميمة... من العين، وهذه الناحية هي أن الأستاذ الزرقاء... يقول دائما أن آراء علمائنا خير من آراء الغربيين ، وأنا معه، فقديمنا أفضل من قديمهم، ولكن قديمنا ليس دائما أفضل من جديدهم هذه ملاحظة! والملاحظة الثانية هي أن الأستاذ الزرقاء حمل بعض النصوص أكثر مما تستطيع أن تحمل، في سبيل بناء نظريات عامة تشبه النظريات الغربية، خذ لك مثلا احتجاجه بالآية الكريمة: 9ل تأكلوا أولكم بينكم بالبتطل إلا أن تكوب تجكره عن تراض منكم ) (النساء: /4) لإثبات مبدأ "سلطان الإرادة" وليس في هذه الآية شيء من ذلكا فمبدأ سلطان الإرادة أعلن تحرر الناس من المراسم والأشكال التي كانت ت فقد المتعاقدين، في ظل الشريعة الرومانية القديمة، كثيرا من حريتهم وتفسد كثيرا من عقودهم وتعتبرها لغوا لمجرد أنها لم تستكمل بعض الشكليات" ... فما هي الصلة بين هذا المبدأ وبين الآية الكريمة:
Halaman 12
وإن هاتين الملاحظتين لا تنقصان من قدر الكتاب الذي يستحق صاحبه أبلغ الثناء وأعظم التقدير، وهو كتاب قوي بمادته، وصاحبه رجل متوقد الذكاء، جمع بين الثقافتين الدينية والقانونية؛ قوي بلغته، فالأستاذ الزرقاء فقيه أديب، وأسلوبه في الكتابة يكاد ينسيك صعوبة المادة وجفافها...
الدكتور منير العجلاني
Halaman 13
مقدمة هذا الاخراج الجديد لسلسلة: الفقه لإبسلامي في ثوبه الجدبيد وفي طليعتها: المدخل الفقهيي العام
1
الحمد لله الذي أتم علينا نعمته، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الهدى، وعلى من بسنته اهتدى وعلى أله وصحبه.
وبعد فقد بني هذا المدخل الفقهي العام على ثلاثة أقسام هي : م قدمة تعريفية وتاريخية عن مصادر الفقه وأدوار تطوره، ويليها عرض لنظريات الفقهية الأساسية في مباني الأحكام، ثم بيان للقواعد الكلية في الفقه مع شرح موجز لها.
وقد دعتني حاجة التدريس الجامعي إلى أن أقوم بتدريس هذا المدخل وكتابته وطبع ما أكتبه بالتتابع كراريس متفرقة في وقت واحد لتوزيعها على الطلاب منذ عام 1363 ه - 1944م.
ثم كنت أزيد في كل طبعة لاحقة وأنقح بحسب ما تظهره لي حاجة التدريس الجامعي. وفي الطبعة الرابعة أصبح هذا المدخل الفقهي العام جزءين اثنين، موزعا تدريسهما على السنتين الجامعيتين الأولى والثانية . وتتابعت طبعاته حتى الطبعة الثامنة المنقحة حين تقاعدت من جامعة دمشق بحكم بلوغي السن القانونية في آخر عام 1966م . واستمر تدريس المدخل في الجامعة بعدي بضع سنين صدرت خلالها طبعات جديدة حصل فيها أخطاء مطبعية كثيرة . نم توقف تدريسه في جامعة
Halaman 14