Juha Dahik Mudhik
جحا الضاحك المضحك
Genre-genre
فاللازمة المتكررة لا بد أن تتكرر حتى تصبح لازمة ملحوظة، وحين نبدأ بالاستماع إليها لا نلاحظ أنها لازمة تعاد في مناسبة وفي غير مناسبة إلا إذا سمعنا صاحبها يتكلم في مسائل شتى ويعيد لازمته على اختلاف هذه المسائل وتناقضها، ومتى ثبت لدينا أنها لازمة وانتظرناها فإنما نحن نستعيد ضحكا سابقا ولا ننشئ الضحك لأول مرة، ويصدق على هذا النوع من الضحك أنه من قبيل استعادة المناظر التي سبق لنا أن ضحكنا منها وأحببنا أن نتملاها ونرجع إليها حينا بعد حين. •••
ونستطرد بعد هذا في سرد الأمثلة المتعددة التي ينطبق عليها رأي برجسون، ومنها غير ما تقدم مثل الشاطر الذي يغلب بالشطارة، أو مثل الفخ الذي يقع فيه واضعه، فإن هذا الشاطر - على شطارته - يتصرف كالآلة حين ينعكس عليه عمله وهو أحق من سواه بالاحتراس منه.
وهذا المثل - كالمثل السابق - يمكن تفسيره برأي برجسون ورأي القائلين بالمفاجأة معا؛ لأننا نتوقع من الشاطر أن يغلب غيره بالحيلة ونشعر بالمفاجأة حين يقع غير المتوقع وهو انخداعه بما يخدع به الناس.
ويعلل برجسون ضحك الكثيرين من النكتة الجناسية بأنها تحول الذهن من المعنويات إلى الحسيات؛ لأن الكلمتين المتجانستين تتشابهان في اللفظ وتختلطان في المعنى، فيتصور السامع الحركات الجسدية وهو يفكر في المعاني الأخلاقية أو الذهنية، وهذا الضحك يشابه الضحك من الخطيب الذي تأخذه الحماسة لفكرة من الأفكار ثم يغلبه العطاس؛ فإنه في هذا الموقف مغلوب لضرورات جسده الآلية ويتصرف على الرغم منه كما تتصرف الآلات.
وعلى هذا النحو مواجهة الذهن بكلمتين متجانستين إحداهما مادية والأخرى معنوية، وتلحق بالجناس كلمات الكناية والاستعارة والمجاز وسائر الكلمات التي تواجه الذهن بصورتين إحداهما لائقة بالإنسانية والأخرى غير لائقة، كأن يقال عن أحد: إنه من أهل اليسار، أو إنه فنان، أو إنه جبل، أو إنه طويل الباع.
والحاسة الاجتماعية عند برجسون أعم من جميع الأسباب؛ فالضحك إذن ملكة اجتماعية يراد بها تصحيح الخطأ في معاملة الجماعة، وهو يتناول الأخطاء التي لا تبلغ حد الإجرام؛ لأن المجتمع يعالج هذه بالجزاء القانوني أو بالانتقام، ويتناول الأخطاء التي ينبو عنها الذوق كل النبو مع سوء النية؛ لأن المجتمع يداوي هذه بالنفور والاشمئزاز، وإنما يكتفي بالضحك من الأخطاء التي يسهو فيها الإنسان عن التقاليد الاجتماعية على غير قصد وبغير نية سيئة، فهذه الأخطاء يكفي في التحذير منها أن يتعرض صاحبها للضحك وأن يكون هذا الضحك عقوبة على قدر الإساءة العارضة، فيحسب في هذه الحالة كأنه قانون خفيف، حيث لا حاجة لتطبيق القانون الذي يحمي المجتمع من الجرائم والأضرار الجسام.
بل يكاد يكون الضحك عقابا اجتماعيا خفيفا لمن يدينون بالأحكام الحرفية ويطبقون القواعد في دقة وصرامة توحي إلى الذهن أن الذي يطبقها آلة لا تفكر ولا تحس بما تصنعه ولا تفرق بين جزاء وجزاء وتقدير وتقدير.
ففي هذه الحالة يكون الضحك تصحيحا للأحكام المبالغ في «دقتها الحرفية»؛ لأنها صفة آلية لا تليق بالقياس المنطقي والتقدير السليم.
وزبدة الأمثلة جميعا في رأي برجسون تلخص أسباب الضحك في حماية المنطق الإنساني وحماية الحاسة الاجتماعية على الخصوص، فكلما هبط الإنسان من مرتبة التصرف المنطقي الذي يناسب علاقاته الاجتماعية كان ذلك مثيرا للضحك منه لتنبيهه إلى تقصيره، على شريطة الوقوف بهذه الأخطاء عند حد لا يبلغ الإجرام ولا يدخله سوء النية، بل يخلو من كل قصد يقصده الكائن العاقل المتصرف، فيرتد إلى الحركة الآلية التي تتجرد من المقصد في جميع الحركات.
رأي فرويد
Halaman tidak diketahui