فالسباب استهواه والبخل سباه ولج به في هواه، وتلك أبدا آية من آيات العجز وضعف الثقة بالنفس وتعليق تلك الثقة بمشيئة غيره، إن أقبلت عليه معشوقته رضي عن نفسه واستراح إلى هذا الرضى، وإن أعرضت عنه ظل في حيرة وابتئاس لا يزولان إلا أن يزيلهما إقبال جديد، وأما هو فليس بقادر على أن يستغني برأيه، أو يستمد الثقة من قرارة نفسه، ولو قدر على ذلك لكان إعراض المعشوقة عنه داعيا من أكبر دواعي القطيعة والجفاء، ولكان في وسعه أن يعرض عنها، ويكف عن التعلق بها، ولا يضيره ذلك أو يشعره بنقص في طمأنينته النفسية؛ لأنها طمأنينة لا تتعلق بمشيئة سواه.
وفي بعض الضعفاء خليقة قريبة من هذه الخليقة أو هي هي في مظهر من مظاهرها المختلفة، ونعني بها «حب التعذيب» والحنين إليه، ومن هؤلاء من يلتمسون الضرب والإيجاع في بعض الأحيان ويسعون إليه، وقد يستأجرون من يضربهم ويوجعهم، كما يصنع أناس من أصحاب هذه الخليقة في بعض العواصم الأوروبية، ويقترن ذلك دائما بالنزعات الجنسية على نحو من الأنحاء.
فإذا كان جميل من أصحاب هذه الخليقة فهواه على تلك الصورة مفهوم، وأسباب اللجاجة في الهوى عنده أكثر من أن تحتاج إلى مزيد.
أقبلت بثينة على وادي «بغيض»، وفيه إبل جميل؛ لترد الماء مع جارة لها، فنفرت الإبل عن المورد، فسبها جميل وسبته، فكان هذا أول التعارف بينهما وأول الغرام، ونسب بها منذ ذلك اليوم بعد أن كان ينسب بأختها أم الجسير.
وقيل: إن جميلا خرج في يوم عيد والنساء إذ ذاك يتزين ويبدو بعضهن لبعض ويبدون للرجال ، فوقف على بثينة وأختها أم الجسير في نساء من بني الأحب؛ ورأى منهن منظرا عجيبا فقعد معهن وعشق بثينة، ثم راح ومعه فتيان من بني الأحب عرفوا في نظره حبها ووجدوا عليه، وقال ينسب بها من أبيات:
عجل الفراق وليته لم يعجل
وجرت بوادر دمعك المتهلل
لن تستطيع إلى بثينة رجعة
بعد التفرق دون عام مقبل
ثم علمت بثينة أنه نسب بها فحلفت بالله لا يأتيها على خلاء إلا خرجت إليه ولا تتوارى منه.
Halaman tidak diketahui