Jami' al-Bayan 'an Ta'wil Ayi al-Qur'an
جامع البيان في تفسير القرآن
قالوا: يحممم ويجبه ويجلد والتجبيه: أن يحمل الزانيان على حمار تقابل أقفيتهما، ويطاف بهما وسكت شاب، فلما رآه سكت ألظ به النشدة، فقال: اللهم إذ نشدتنا، فإنا نجد في التوراة الرجم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" فما أول ما ارتخص أمر الله؟ "
قال: زنى رجل ذو قرابة من ملك من ملوكنا فأخر عنه الرجم، ثم زني رجل في أسرة من الناس، فأراد رجمه، فحال قومه دونه، وقالوا: لا ترجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه، فاصطلحوا على هذه العقوبة بينهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" فإنى أحكم بما في التوراة "
فأمر بهما فرجما. قال الزهري: فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا } فكان النبي منهم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله: { يحكم بها النبيون الذين أسلموا } النبي صلى الله عليه وسلم ومن قبله من الأنبياء يحكمون بما فيها من الحق. حدثنا المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن عوف، عن الحسن في قوله: { يحكم بها النبيون الذين أسلموا } يعني النبي صلى الله عليه وسلم. { للذين هادوا } يعني اليهود، فاحكم بينهم ولا تخشهم. القول في تأويل قوله تعالى: { والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء }. يقول تعالى ذكره: ويحكم بالتوراة وأحكامها التي أنزل الله فيها في كل زمان على ما أمر بالحكم به فيها مع النبيين الذين أسلموا، الربانيون والأحبار. والربانيون: جمع رباني، وهم العلماء الحكماء، البصراء بسياسة الناس وتدبير أمورهم والقيام بمصالحهم. والأحبار: هم العلماء. وقد بينا معنى الربانيين فيما مضى بشواهده، وأقوال أهل التأويل فيه. وأما الأحبار: فإنهم جمع حبر، وهو العالم المحكم للشيء، ومنه قيل لكعب: كعب الأحبار. وكان الفراء يقول: أكثر ما سمعت العرب تقول في واحد الأحبار: حبر بكسر الحاء. وكان بعض أهل التأويل يقول: عني بالربانيين والأحبار في هذا الموضع: ابنا صوريا اللذان أقرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بحكم الله تعالى في التوراة على الزانيين المحصنين. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: كان رجلان من اليهود أخوان يقال لهما ابنا صوريا، وقد اتبعا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسلما، وأعطياه عهدا أن لا يسألهما عن شيء في التوراة إلا أخبراه به. وكان أحدهما ربيا، والآخر حبرا، وإنما اتبعا النبي صلى الله عليه وسلم يتعلمان منه. فدعاهما فسألهما، فأخبراه الأمر كيف كان حين زنى الشريف وزنى المسكين، وكيف غيروه. فأنزل الله: { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا } يعني: النبي صلى الله عليه وسلم والربانيون والأحبار: هما ابنا صوريا. { للذين هادوا }. ثم ذكر ابنى صوريا، فقال: { والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء }. والصواب من القول في ذلك عندي، أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن التوراة يحكم بها مسلمو الأنبياء لليهود والربانيون من خلقه والأحبار. وقد يجوز أن يكون عني بذلك ابنا صوريا وغيرهما، غير أنه قد دخل في ظاهر التنزيل مسلمو الأنبياء وكل رباني وحبر، ولا دلالة في ظاهر التنزيل على أنه معنى به خاص من الربانيين والأحبار، ولا قامت بذلك حجة يجب التسليم لها، فكل رباني وحبر داخل في الآية بظاهر التنزيل.
وبمثل الذي قلنا في تأويل الأحبار قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سلمة، عن الضحاك: الربانيون والأحبار: قراؤهم وفقهاؤهم. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفص، عن أشعث، عن الحسن: الربانيون والأحبار: الفقهاء والعلماء. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: الربانيون العلماء الفقهاء، وهم فوق الأحبار. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: الربانيون: فقهاء اليهود، والأحبار: علماؤهم. حدثنا القاسم، قال: ثنا سنيد بن داود، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: { والربانيون والأحبار } كلهم يحكم بما فيها من الحق. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: الربانيون: الولاة، والأحبار: العلماء. وأما قوله: { بما استحفظوا من كتاب الله } فإن معناه: يحكم النبيون الذين أسلموا بحكم التوراة، والربانيون والإحبار يعني العلماء بما استودعوا علمه من كتاب الله الذي هو التوراة. والباء في قوله: { بما استحفظوا } من صلة الأحبار. وأما قوله: { وكانوا عليه شهداء } فإنه يعني أن الربانيين والأحبار بما استودعوا من كتاب الله يحكمون بالتوراة مع النبيين الذين أسلموا للذين هادوا، وكانوا على حكم النبيين الذين أسلموا للذين هادوا شهداء أنهم قضوا عليهم بكتاب الله الذي أنزله على نبيه موسى وقضائه عليهم. كما: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { وكانوا عليه شهداء } يعني الربانيين والأحبار هم الشهداء لمحمد صلى الله عليه وسلم بما قال أنه حق جاء من عند الله، فهو نبي الله محمد، أتته اليهود فقضى بينهم بالحق. القول في تأويل قوله تعالى: { فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا }. يقول تعالى ذكره لعلماء اليهود وأحبارهم: لا تخشوا الناس في تنفيذ حكمي الذي حكمت به على عبادي وإمضائه عليهم على ما أمرت، فإنهم لا يقدرون لكم على ضر ولا نفع إلا بإذني، ولا تكتموا الرجم الذي جعلته حكما في التوراة على الزانيين المحصنين، ولكن اخشوني دون كل أحد من خلقي، فإن النفع والضر بيدي، وخافوا عقابي في كتمانكم ما استحفظتم من كتابي. كما: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي : { فلا تخشوا الناس واخشون } يقول: لا تخشوا الناس فتكتموا ما أنزلت. وأما قوله: { ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } يقول: ولا تأخذوا بترك الحكم بآيات كتابي الذي أنزلته على موسى أيها الأحبار عوضا خسيسا، وذلك هو الثمن القليل. وإنما أراد تعالى ذكره نهيهم عن أكل السحت على تحريفهم كتاب الله وتغييرهم حكمه عما حكم به في الزانيين المحصنين، وغير ذلك من الأحكام التي بدلوها، طلبا منهم للرشا كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } قال: لا تأكلوا السحت على كتابي.
وقال مرة أخرى، قال: قال ابن زيد في قوله: { ولا تشتروا بآياتي ثمنا } قال: لا تأخذوا به رشوة. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا }: ولا تأخذوا طعما قليلا على أن تكتموا ما أنزلت. القول في تأويل قوله تعالى: { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }. يقول تعالى ذكره: ومن كتم حكم الله الذي أنزله في كتابه، وجعله حكما بين عباده فأخفاه، وحكم بغيره، كحكم اليهود في الزانيين المحصنين بالتجبيه والتحميم، وكتمانهم الرجم، وكقضائهم في بعض قتلاهم بدية كاملة وفي بعض بنصف الدية، وفي الأشراف بالقصاص وفي الأدنياء بالدية، وقد سوى الله بين جميعهم في الحكم عليهم في التوراة { فأولئك هم الكافرون } يقول: هؤلاء الذين لم يحكموا بما أنزل الله في كتابه، ولكن بدلوا وغيروا حكمه وكتموا الحق الذي أنزله في كتابه. { هم الكافرون } يقول: هم الذين ستروا الحق الذي كان عليهم كشفه وتبيينه وغطوه عن الناس وأظهروا لهم غيره وقضوا به لسحت أخذوه منهم عليه. وقد اختلف أهل التأويل في تأويل الكفر في هذا الموضع. فقال بعضهم بنحو ما قلنا في ذلك، من أنه عنى به اليهود الذين حرفوا كتاب الله وبدلوا حكمه. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن البراء بن عازب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }
ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الظالمون
[المائدة: 45]،
ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الفاسقون
Halaman tidak diketahui