Jami' al-Bayan 'an Ta'wil Ayi al-Qur'an
جامع البيان في تفسير القرآن
وأما قوله: { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط } فإن معناه: وإن اخترت الحكم والنظر يا محمد بين أهل العهد إذا أتوك، فاحكم بينهم بالقسط، وهو العدل، وذلك هو الحكم بما جعله الله حكما في مثله على جميع خلقه من أمة نبينا صلى الله عليه وسلم. وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعة أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم والشعبي: { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط } قالا: إن حكم بينهم حكم بما في كتاب الله. حدثنا سفيان، قال: ثنا يزيد بن هاون، عن العوام بن حوشب، عن إبراهيم: { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط } قال: أمر أن يحكم فيهم بالرجم. حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن العوام، عن إبراهيم التيمي في قوله: { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط } قال: بالرجم. حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { بالقسط }: بالعدل. حدثنا هناد، قال: ثنا هشيم، عن العوام بن حوشب، عن إبراهيم التيمي في قوله: { فاحكم بينهم بالقسط } قال: أمر أن يحكم بينهم بالرجم. وأما قوله: { إن الله يحب المقسطين } فمعناه: إن الله يحب العاملين في حكمه بين الناس، القاضين بينهم بحكم الله الذي أنزله في كتابه وأمر أنبياءه صلوات الله عليهم، يقال منه: أقسط الحاكم في حكمه إذا عدل وقضى بالحق يقسط إقساطا به. وأما قسط فمعناه: الجور، ومنه قول الله تعالى:
وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا
[الجن: 15] يعني بذلك: الجائرين على الحق.
[5.43]
يعني تعالى ذكره: وكيف يحكمك هؤلاء اليهود يا محمد بينهم، فيرضون بك حكما بينهم، وعندهم التوراة التي أنزلتها على موسى، التي يقرون بها أنها حق وأنها كتابي الذي أنزلته على نبي، وأن ما فيه من حكم فمن حكمي، يعلمون ذلك لا يتناكرونه ولا يتدافعونه، ويعلمون أن حكمي فيها على الزاني المحصن الرجم، وهم مع عملهم بذلك { يتولون } يقول: يتركون الحكم به بعد العلم بحكمي فيه جراءة علي وعصيانا لي. وهذا وإن كان من الله تعالى ذكره خطابا لنبيه صلى الله عليه وسلم، فإنه تقريع منه لليهود الذين نزلت فيهم هذه الآية، يقول لهم تعالى: كيف تقرون أيها اليهود بحكم نبي محمد صلى الله عليه وسلم مع جحود نبوته وتكذيبكم إياه، وأنتم تتركون حكمي الذي تقرون به أنه حق عليكم واجب جاءكم به موسى من عند الله؟ يقول: فإذا كنتم تتركون حكمي الذي جاءكم به موسى الذى تقرون بنبوته في كتابي فأنتم بترك حكمي الذى يخبركم به نبي محمد أنه حكمي أحرى مع جحودكم نبوته ثم قال تعالى ذكره مخبرا عن حال هؤلاء اليهود الذين وصف صفتهم في هذه الآية عنده وحال نظرائهم من الجائرين عن حكمة الزائلين عن محجة الحق { وما أولئك بالمؤمنين } يقول ليس من فعل هذا الفعل: أي من تولى عن حكم الله الذي حكم به في كتابه الذي أنزله على نبيه في خلقه بالذي صدق الله ورسوله فأقر بتوحيده ونبوة نبيه صلى الله عليه وسلم لأن ذلك ليس من فعل أهل الإيمان. وأصل التولي عن الشيء: الانصراف عنه كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير: { ثم يتولون من بعد ذلك } قال: توليهم ما تركوا من كتاب الله. حدثنا المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله } يعني: حدود الله، فأخبر الله بحكمه في التوراة. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وعندهم التوراة فيها حكم الله }: أي بيان الله ما تشاجروا فيه من شأن قتيلهم، { ثم يتولون من بعد ذلك } الآية. حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: قال يعني الرب تعالى ذكره يعيرهم: { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله } يقول الرجم.
[5.44]
يقول تعالى ذكره: إنا أنزلنا التوراة فيها بيان ما سألك هؤلاء اليهود عنه من حكم الزانيين المحصنين، { ونور } يقول: وفيها جلاء ما أظلم عليهم وضياء ما التبس من الحكم. { يحكم بها النبيون الذين أسلموا } يقول: يحكم بحكم التوراة في ذلك: أي فيما احتكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيه من أمر الزانيين النبيون الذين أسلموا، وهم الذين أذعنوا الحكم الله وأقروا به. وإنما عنى الله تعالى ذكره بذلك نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم في حكمه على الزانيين المحصنين من اليهود بالرجم، وفي تسويته بين دم قتلى النضير وقريظة في القصاص والدية، ومن قبل محمد من الأنبياء يحكم بما فيها من حكم الله. كما: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا } يعني النبي صلى الله عليه وسلم. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لما أنزلت هذه الآية:
" نحن نحكم على اليهود وعلى من سواهم من أهل الأديان "
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: ثنا رجل من مزينة ونحن عند سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: زنى رجل من اليهود بامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي فإنه نبي بعث بتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله وقلنا: فتيا نبي من أنبيائك قال: فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم ما تقول في رجل وامرأة منهم زنيا؟ فلم يكلمهم كلمة، حتى أتى بيت المدراس، فقام على الباب، فقال:
" أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن؟ "
Halaman tidak diketahui