ولأن الحسد يعمي البصائر والأبصار؛ فأهل الكتاب يشهدون زورا للكافرين الأشرار؛ (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا(51)أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا(52)أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا(53) أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما(54)فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا(55)) [سورة النساء].
وهكذا فإن الحسد يشتعل في قلب كل أثيم، عدو للحق مليم.إن القلب السقيم، يحسد القلب السليم.وإن الوجه القبيح، لا بد أن يحسد الوجه الصحيح.وإن كل قلب قلق مضطغن، يتقد غيظا على كل قلب مؤمن مطمئن. وهذا هو شأن الكافرين والمنافقين في كل زمان. إنهم حساد لأهل الحق وحملة القرآن، ولا غرو فالأضداد لا تتفق؛ فالكافرون هم من شر ما خلق الله، والمؤمنون هم من خير ما خلق الله. وأولئك هم شر البرية والمؤمنون هم خير البرية. فكيف يلتقي الضدان!! وكيف يلتقي العلم والإيمان مع الجهل والكفران!!
وكيف يلتقي الهوى والشيطان مع الهدى والقرآن!!كلا إن الحسد للكافرين يحرق، ولكن المؤمنين مستعيذون برب الفلق.
وبعد فلقد أدركنا من هذا التحليل أن السورة الأولى من المعوذتين تعلم أهل الإيمان وحملة القرآن أن يستعيذوا برب الفلق؛ من كل أعداء الحق، وبرب النور والحياة، من كل أعداء النور والحياة، وبرب الخلق والبركات، من كل من يريد خنق الخلق وحبس البركات، وتدمير الخير في الإنسان وقطع العلاقات، وهؤلاء هم شر ما خلق، فمنهم نستعيذ برب الفلق.
إن السورة تحصي أعداء حامل القرآن؛ الذين هم خارج نفس الإنسان وحوله في كل زمان ومكان، وتدله على الاستعاذة من هؤلاء برب الفلق ومنبع الحياة ومبدع الخلق، إنه الله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق وهو المعيذ لكل من اتبع هداه، وهو الناصر لكل من تدبر القرآن وعمل بما تلاه. فلتستعذ برب الفلق، من شر ما خلق، وما شر ما خلق إلا الكافرون أعداء الحق، فالله يقذف بالحق على الباطل فإذا هو زاهق، وهو الله يدافع عن المؤمن الصادق.
وما دامت السورة الأولى تعلمنا الاستعاذة برب الفلق من المخاطر التي تحيط بنا من خارج أنفسنا، فإن السورة الثانية وهي سورة الناس تعلمنا الاستعاذة برب الناس، من أهم خطر وأقوى مدبر لنفس الإنسان وهو الوسواس. فلاحظوا معي كيف يتأكد هذا الخطر الذي يهدد النفوس الإنسانية!! وكيف يتجسد هذا العدو الذي يدمر النبتة الإيمانية يتجسد من خلال اسم السورة!!
فهي سورة (الناس)، كأن الناس هم الهدف الأول والأهم للقرآن، وكأن صدور الناس هي المنبت الأساسي والأكرم لثمار الإيمان، وكأن نفوس الناس هي المهبط الأزكى والأسمى لآيات القرآن. وهكذا فلأجل حماية الناس من نسيان القرآن؛ ولأجل صيانة الصدور من وسواس الشيطان وعصيان الرحمن؛ولأجل تزكية النفوس من طاعة الهوى ومفارقة الهدى؛ لا بد من الاستعاذة بالمعيذ الأقوى. ولأن الخطر النفسي أشد على الإنسان وأرهب؛ فلا بد من الاستعاذة بالمعيذ الأقوى والأقرب، وهو الرب، الذي يعلم ما توسوس به نفس الإنسان وهو أقرب إليه من حبل الوريد.
ومع أن السورة تبدأ بهذه الصفة الهامة من صفات الله فهي لا تكتفي بهذه الصفة ، بل تضيف إليها صفتين أقوى وأسمى، وهما: "ملك الناس"، "إله الناس". إذن فالأمر خطير، أخطر من كل شر خارجي على الإنسان.إنه خطر داخلي يتغلغل في النفوس، ويعيث في الصدور. إنه خطر لا مناص منه ولا فرار؛ لأنه ملازم للإنسان في كل حال وقرار، ومعه في كل مكان ودار. إنه الوسواس الخناس، الذي يصاحب الصحو والمنام والنعاس، ويجري مع الدم في الشرايين ويتسابق مع الأنفاس. فلا خلاص منه ولا مناص، إلا بمعيذ قادر يفوق كل قوة، ويتميز على كل من سواه. بل وله من الصفات ما يقهر بها كل خطر ملموس أو غير محسوس؛ إنه الله. ولقد اختار للإنسان المؤمن أن يستعيذ في هذه الحال، بصفات ربه ذي الجلال، وأقربها إلى النفوس وأقواها أثرا في كل الأحوال.
فلنقرأ كيف هي البداية في السورة؛ لتتضح الصورة؛ (قل أعوذ برب الناس* ملك الناس* إله الناس). إنها صفات ثلاث متضافرة في المهمة. والمهمة هي نفوس الناس في كل زمان وفي كل أمة، ولهذا تكررت كلمة الناس ثلاث مرات مع كل صفة تعاد بصفة مستقلة، وكأن كل صفة من صفات الله الحسنى والعظمى، مركزة متفرغة لهذه المهمة الكبرى؛ التي اختيرت لها في الناس هؤلاء. أليس الهدف من إنزال القرآن هو الناس؟ إذن فليكن الرب والملك والإله معهم ومعيذهم من شرور نفوسهم. وهكذا يكون الناس هم الهدف الأسمى للقرآن المنزل للناس هدى، (ممن خلق الأرض والسماوات العلا(4)الرحمان على العرش استوى(5)له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى(6)). فهو العليم بكل شيء، والمدبر لكل شيء في الأرض والسماء وتحت الثرى، والإنسان أين هو من هذا العلم وهذا العطاء!! ها هو يبرز بجلاء في قوله تعالى موجها الخطاب إلى الإنسان: (وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى(7)الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى(8)).
فالقرآن يبدأ بإسم الله الرحمن الرحيم، وينتهي بكلمة الناس. نعم إن آخر كلمة فيه هي كلمة الناس، فكأن الناس هم الهدف والأساس. وإذن فليحتموا بالرب الملك الإله من شر الوسواس الذي يدمر كل بناء من الأساس، وهكذا فإن السورة تعلمنا أن نستعيذ من الوسواس المدمر لكل النفوس بصفات ثلاث من صفات الله القدوس. إنه خطر واحد نفسي يستعاذ له بثلاث صفات قدسية؛ بينما تعلمنا السورة السابقة أن نستعيذ من أخطار أربعة خارج النفوس بصفة واحدة من صفات الله هي "رب الفلق".
Halaman tidak diketahui