ولقد غاص هلدرلين في هاوية اللهب الأسود، وبدأت الكآبة المميتة تحاصره من كل ناحية، وتضطره للتسليم شيئا فشيئا. وبدأ جسده الرقيق يذبل ويشف بالتدريج حتى تحول في نظر الأصدقاء إلى شبح أو ظل يائس. أما الروح فحاولت أن تتشبث بذكرى الحب أو بشيطان الشعر ليحميها من السقوط. ولكنها كانت قد بدأت الرحلة المخيفة إلى الأعماق، كما بدأت ظلال عالم الجنون تلتف حولها يوما بعد يوم. كان الحب قد أصبح جرحا وحيدا ينزف دمه في صمت. والشعر الذي بلغ قمة نضجه في السنوات القليلة التي تلت وفاة الحبيبة لم يستطع أن يتماسك على الطريق الموحش بلا أمل ولا عزاء ولا صديق ...
العابد
«لكن حيث يكون الخطر تلوح كذلك سبل النجاة»
1
من الأدباء من يكتب «أدبا»، ومن الشعراء من يؤلف «شعرا» .. أما الأديب الحق «فيكتب» الأدب والشعر من خلاله، لأنه «وسيط» يملي عليه فيطيع، وينادي فيستجيب، ويؤمر فيمتثل للأمر الأعلى .. هذا النوع من الأدباء يعيش للأدب ولا يعيش منه أو عليه. إنه يتحد بحياته، وحياته تتحد به. الشعر عنده هو الشاعر، والشاعر هو الشعر. الشعر عنده رسالة، نبوءة ، تبشير وتحذير، عبادة وطاعة. ولهذا كان في كل شاعر حقيقي جزء من النبي .. فكلاهما يلهم ويوحى إليه، وكلاهما يبلغ ويعلن، وإن اختلف مصدر الوحي واختلفت طبيعة الرسالة.
وشعر هلدرلين صلاة وعبادة، شكر وعرفان، يفيض من نبع التقوى العميقة، والنقاء المحض. ولهذا فهو يعد نفسه من خدمه وعباده، ولا يجد حرجا في أن يكون عبدا له. بل يعتبر ذلك نعمة كبرى من نعم السماء. هكذا يقول عن نفسه في قصيدته إلى العذراء:
أيتها العذراء،
كثيرا ما تعذبت في سبيلك،
وفي سبيل ابنك،
منذ أن سمعت عنه
Halaman tidak diketahui