وحدث - وأنا أستاذ مساعد - أن منعت من أن أكون أستاذا لعدم حصولي على الدكتوراه أنا وبعض زملائي، وإن كان القانون يسمح أن يرقى الأستاذ المساعد في اللغة العربية بكلية الآداب والشريعة الإسلامية بكلية الحقوق إلى أستاذ من غير دكتوراه، فواجهت المسألة بروح رياضية، وقدمت طلبا لنيل الدكتوراه بالدخول في الامتحان، على النظام الذي يتبع مع الطلبة في الحصول عليها، وقدمت لذلك كتاب فجر الإسلام وضحى الإسلام كرسالة للمناقشة، واعترض إذ ذاك بأن الأساتذة بالكلية قد يحابونني لأنني أحدهم، فاقترحت أن يكون أكثر الممتحنين من الأساتذة الأجانب المستشرقين، فصمم وزير المعارف إذ ذاك على رفض هذا الطلب، وكان هذا أيضا تدخلا في شئون الجامعة لا مبرر له، فلم يتم امتحاني.
وشعر بعض إخواني من أساتذة الجماعة وأعضاء لجنة التأليف بعدم عدالة هذا التصرف، فأقاموا حفلة تكريم لي، وكان ذلك سنة 1935، وانتهزوا فرصة مرور عشرين سنة على لجنة التأليف والترجمة والنشر ورياستي لها طوال هذه المدة، فسألتهم العدول فلم يقبلوا، وسألتهم أن تكون الحفلة صامتة فلم يقبلوا أيضا، وأقاموا بالفعل حفلة ضخمة دعوا إليها أعضاء لجنة التأليف وكبار رجال المعارف وكبار رجال السياسة من مختلف الأحزاب، وأقاموها في «سنت جيمس» وقسموها إلى موائد، وعلى كل مائدة رئيس من علية القوم، فمائدة يرأسها مدير الجامعة أحمد لطفي السيد، وأخرى المرحوم أحمد ماهر، وثالثة المرحوم الدكتور على إبراهيم، ورابعة المرحوم إبراهيم الهلباوي، وخامسة المرحوم عبد العزيز فهمي، وسادسة المرحوم الشيخ محمد مصطفى المراغي، والأستاذ أحمد لطفي السيد، والمستشرق الكبير نللينو، وقد افتتح خطبته بقوله «إن عند الرومانيين قولة مشهورة: أنه يحق لكل إنسان أن يجن مرة، وأريد أن أجن هذه المرة فأخطبكم باللغة العربية»، كما كان من الخطباء الدكتور عبد الوهاب عزام والدكتور عبد السلام الكرداني والأستاذ محمد كرد علي، ورددت عليهم آخر الأمر خجولا متواضعا شاكرا، ومما قاله الدكتور علي إبراهيم في هذه الحفلة: إنه لو استطاع أحد أن ينظم مثل هذا الاحتفال ويجمع رؤساء الأحزاب والسياسة كما جمعوا في هذا الحفل، ويؤلف بينهم في موضوعات الخلاف كما ألف بينهم اليوم لكان هذا نجاحا سياسيا باهرا. وقد أثرت هذه الحفلة في نفسي أكبر الأثر، واغتبطت بها أكبر الاغتباط، وعددتها مكافأة أكبر من نجاحي في الدكتوراه.
ولكن لا يصفو الزمان حتى يكدر، ولا يحسن حتى يسيء، فعقب هذا الحفل بأيام شعرت بخمود شديد في جسمي، وانقباض في صدري فعرضت نفسي على الطبيب فقرر أني أصبت بالبول السكري، وألزمني الصوم عن الأكل إلا السوائل أياما، ثم السير بعد ذلك على نظام في الأكل دقيق تتجنب فيه النشويات والسكريات، ومن ذلك الحين دخلت في حياتي حقن الأنسولين، وقد صحبني هذا المرض - إلى الآن - خمس عشرة سنة، أحاوره ويحاورني، ويصادقني أحيانا ويعاديني، وأمتنع من أجله عما أشتهي، وأتجنب الجهد الشاق على غير رغبتي، وأحيانا يرميني بالأفكار الحزينة وألوان الحياة القاتمة، وأحمد الله إذ لم يكن من الشدة كما هو عند غيري.
وبعد ذلك أريد أن يمنح غيري الأستاذية من غير دكتوراه، وأحرم أنا لمواقفي السابقة في المحافظة على استقلال الجماعة، فطلبت أن تؤلف لجنة لبحث مؤلفاتي، فاختيرت لذلك لجنة من الأستاذين المستشرقين الدكتور شاده والدكتور برجستراسر، فقرآ فجر الإسلام وضحاه، وقدما تقريرا باستحقاقي الأستاذية على هذين الكتابين، وقالا: إن عيبي الوحيد في تأليف هذين الكتابين هو أن هناك بحوثا في بعض موضوعات الكتابين عرض لها بعض الأساتذة الألمان، ولو اطلع عليها المؤلف لبنى عليها ولم يتعب نفسه في بحث أساسها؛ ولكن وزارة المعارف أخفت هذا التقرير لأنه مخالف لما كانت تأمل، فطلبت من العميد أن يطلب التقرير من الوزارة، فماطلت، ثم بعثته وعطلت أثره في مجلس الجامعة، ولم أحصل على الأستاذية إلا بعد عناء وبعد أن هدأت النفوس وبعد أن قدمت استقالتي لأني لم أعامل معاملة زملائي.
ووقع علي الاختيار لأكون ممثلا لكلية الآداب في مجلس الجامعة، فاستمررت على ذلك نحو عشر سنين، وقد مهد لي ذلك السبيل إلى سعة اختباري وكثرة تجاربي؛ فمجلس الجامعة يتكون من عمداء الكليات وبعض كبار الأساتذة من كل كلية ومن وكيل وزارة المالية ووكيل وزارة المعارف وبعض كبار البلد يعينون لخبرتهم العلمية، من رؤساء الوزارة أو وزراء سابقين، أو نحو ذلك، فكان هذا المجلس يمثل أعقل مجلس بمصر، شاهدت فيه العقليات المصرية الكبيرة كيف تتصرف بالأمور، وكيف تتكون لديها الآراء، والعوامل التي تعمل في اتجاهاتها وتكوينها، وكيف يتناقشون وكيف يحتجون. والحق أنه كان يستولي علي الوهم أن الرجل إذا كان ذا منصب كبير في الماضي أو الحاضر فذلك عنوان عبقريته ودليل نبوغه، وأن له من الآراء ما يفوق كل رأي، ومن الأفكار ما يتضاءل أمامها كل فكر، فزال هذا الوهم بهذا المجلس، ورأيت هؤلاء الكبراء يفكرون كما يفكر الناس ويخطئون كما يخطئ الناس، وتتغلب عليهم الأهواء - أحيانا - كما تتغلب على سائر الناس.
وكان من تجاربي أن رأيت أكثر الناس يسيرون مع العظماء في آرائهم وأفكارهم ولو اعتقدوا بطلانها، ولكن إذا تشجع أحد ودافع عن الحق وجهر به وصمم عليه تبعه هؤلاء وانضموا إلى جانبه ضد العظماء فليس عندهم من الشجاعة ما يبدئون به قول الحق، ولكن ليس عندهم أيضا من السفالة ما يناهضون به قائل الحق.
ولقد شعرت في هذا المجلس بفضل «عاطف بركات» وما علمنيه من قول الحق ولو كان مرا، والانتصار له ولو أوذيت في سبيله. وحدثت حادثة في أول انتخابي لمجلس الجامعة كانت محك الاختبار، فإما سير مع التيار حقا كان أو باطلا، وإما التزام للحق مهما استتبع من الضرر، وصدق الحديث: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» فقد أعلن عن كرسي لأستاذ القانون الروماني في كلية الحقوق. فتقدم إليه بعض العلماء أفضلهم أستاذ إيطالي وأستاذ فرنسي. قرأنا المؤهلات ففضلنا الأستاذ الإيطالي
1
لعظم مؤلفاته العالمية في الموضوع، وفضلت وزارة المعارف أو بعبارة أدق - وزير المعارف
2 - الأستاذ الفرنسي لاعتبارات نجهلها، ولم يكن معنا وزير المعارف. ولكن كان وكيله
Halaman tidak diketahui