Hamayan Zad
هميان الزاد إلى دار المعاد
ولا ضير بذلك كما يقال الذى سيئة أى خصلة قبيحة ويجوز كون مكروها بدلا من سيئة ولكن البدل بالمشتق ضعيف، وكونه حالا من الضمير المستتر فى كان، وعند كل حال متعلق بكان أو بمكروها وإن علقته بمحذوف نعت لسيئة جاز كون مكروها حالا من ضمير الاستقرار فى عند، ومعنى مكروه فى الآية محرم مبغوض كما علمت، وليس المعنى أن ذلك يفعله الفاعل على خروج عن إرادة الله، فإن الحوادث لا تخرج عن إرادة الله سبحانه وتعالى، وقيل المعنى سيئة توجب عند الله مكروها، فمكروها مفعول بمحذوف والمراد به العقاب، وهذه الآية كلها وهن خمس وعشرون بين أمر ونهى، وثمانى عشرة فى النهى وحده، مذكورات فى ألواح موسى - عليه السلام - وكتبنا له فى الألواح من كل شئ موعظة وتفصيلا وكانت فيها عشر آيات الخمس والعشرون بالنهى عن الشرك وعقب بعد تمامهن بالنهى عنه، إذ قال ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى. فإن التوحيد مبدوء الأمر ومنتهاه وملاكه وكل الخمس والعشرين حكم والتوحيد رأس الحكمة وملاكها فإن من لا قصد له بطل عمله، ومن قصد بفعله غير الله ضاع سعيه، نهى عن الشرك أولا ورتب عليه ما يعود عليه فى الدنيا إذا قلنا إن المراد باللوم والخذلان هنالك الدنيويون، ونهى عنه ثانيا ورتب عليه ما يتولد منه فى الآخرة وهو الإلقاء فى جهنم معلوم ودحر، إذ قال فتلقى فى جهنم ملوما مدحورا.
[17.39]
{ ذلك } المذكور من الأوامر والنواهى { مما أوحى إليك ربك } يا محمد { من الحكمة } الوعظ البليغ أو معرفة الله سبحانه وتعالى لذاته والخير للعمل به، وحاصل هذه الآيات أمر بالتوحيد وأنواع البر والطاعات والإعراض عن الدنيا والإقبال إلى الآخرة، وذلك حكمة لا يوجد الحكم مثلها وكان بعض المشايخ يقول مجامع الخيرات محصورة فى أمر صدق مع الحق وخلق مع الخلق، وذكر هشام بن عبد الله القرطبى فى تاريخ المسمى بهجة النفس، أنه دخل عبد الملك بن مروان على معاوية وعنده عمرو بن العاص فلم يلبث أن نهض فقال معاوية لعمرو ما أكمل مروءة هذا الفتى. فقال له عمرو إنه أخذ بأخلاق أربعة، وترك أخلاقا ثلاثة، أخذ بأحسن البشر إذا ألقى، وبأحسن الاستماع إذا تحدث، وبأحسن الحديث إذا حدث، وبأحسن الرد إذا خولف، وترك مزاح من لا يوثق بعقله، وترك مخالطة لئام الناس. وترك من الحديث ما يعتذر منه. { ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى فى جهنم } أى تطرح فها والماضى إلقاء أو يلقاك فيها أهلها من عبدة الأصنام أو خزنتها، والماضى على هذا لقبه. { ملوما } تلوم نفسك على ما فعلت ويلومك غيرك كالملائكة خزنتها { مدحورا } مبعدا عن رحمة الله جل جلاله المطرود عنه والمخذول هو الضعيف لعدم الناصرة.
[17.40]
{ أفأصفاكم ربكم } يامن يقول من أهل مكة وغيرها الملائكة بنات الله والهمزة للإنكار. { بالبنين } أى أفخصكم ربكم بصفوة الأولاد وهى البنون يقال أصفاه أى اختاره وخصه للصفوة فقوله بالبنين تفسير للصفوة { واتخذ من الملائكة إناثا } مفعول أو بمعنى بنات ومن الملائكة مفعول ثان، ويجوز أن يعلق من الملائكة باتخذ وبمحذوف حال من إناثا والمفعول الثانى محذوف أى اتخذ أناسا من الملائكة بناتا لنفسه وهذا خلاف ما عليه عقولكم وعادتكم من اصطفاء السيد الأشياء الجيدة لنفسه وإعطاء الأشياء الرديئة لعبده فكيف السيد المتصف بالكمال الذى لا نهاية له وهذا خطاب باعتبار عقولهم مع أنه لا يقال إن من المكارم اختيار الإنسان الشئ الحسن لغيره، لأن ذلك إنما هو فى من سيادته وعظمته ليستا حقيقتين، فيفعل ذلك ردا لنفسه إلى ما هو به حقيق وهو الخضوع والهوان وذلك هو الخلق مطلقا لا فيمن سيادته ذاتية حقيقية وهو الله جل وعلا { إنكم لتقولون قولا عظيما } هو إضافتهم البنات إليه وعظم ذلك القول من جهات الأولى أن الولادة تستلزم الحد والحلول والجهات والأجزاء والجسمية والله عز وجل منزه عن الجسمية والعرضية وتستلزم سرعة الزوال، فإن الولادة تختص بما هو سريع الزوال وهو الأجسام. الثانية تفضيل العبد العاجز على السيد القادر قدرة تامة نسبة الذكر كالأنثى للعبد ونسبة الأنثى فقط للسيد وهى مكروهة للعبد. الثالثة جعل أشرف الخلق على الإطلاق من حيث الجسم وأشرف ما عدا الأنبياء والمؤمنين من حيث الشأن على الصحيح عندى دون الخلق وهو الأنثى.
[17.41]
{ ولقد صرفنا } كررنا أو قررنا أو ذكرنا أو بينا بوجوه من العبارات، أو لهم ذلك أو الحكم والمواعظ والأمثال والوعد والوعيد والعبر والحجج والعلامات ما نزل على الأمم السابقة من العذاب. { فى هذا القرآن } أى فى مواضع منه ويجوز أن يراد بهذا القرآن هذا الكلام المقروء المذكور آنفا المتضمن إنكار البنات عن الله سبحانه أى صرفنا القول فى هذا المقروء من الإنكار، وأن يراد بهذا القرآن اسم كتاب الله فى الوجه الأول لكن على تسمية الحال وهو معنى إنكار البنات باسم المحل وهو كتاب الله، ويجوز أن يراد أوقعنا الصرف وهو تنويع الحجج فى هذا المعنى، وتشدد راء صرفنا تأكيدا ومبالغة وقرئ بالتخفيف. { ليذكروا } يتعظوا أو الأصل يتذكروا أبدلت التاء ذالا وأدغمت الذال فى الذال، وقرأ حمزة والكسائى الفرقان ليذكروا بإسكان الذال وضم الكاف، من ذكر بمعنى التذكر كالفكر بمعنى التفكر. { وما يزيدهم } تصريفنا فالضمير المستتر فى يزيد عائد إلى التصريف المعلوم من صرفنا وإلى الصرف المعلوم بالتخفيف فى قراءة التخفيف. { إلا نفورا } عن الحق وكراهة له وعدم سكون القلب إليه وكان سفيان الثورى إذا قرأ هذه الآية قال زادنى لك خضوعا ما زاد أعداءك نفورا، وذلك أنه كلما نزل من القرآن شئ كفروا به فيحصل لهم نفور كلما وقع نزول، قال الحسن قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
" والذى نفسى بيده لتدخلن الجنة إلا أن تشردوا عن الله كما يشرد البعير عن أهله، ثم تلا { ولقد صرفنا فى هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا } ".
[17.42]
{ قل } يا محمد للمشركين. { لو كان معه } أى مع الله. { آلهة كما يقولون } بالتاء الفوقية خطاب للمشركين، أمر الله سبحانه وتعالى النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يخاطب به المشركين، وقرأ ابن كثير وحفص بالتحتية فى هذا وما بعده على أن الكلام مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى أمر المشركين فى طريق غيبتهم لا خطابهم ومقتضى الظاهر الخطاب وعدل عنه تنزها عن مقالتهم، ووافقهما نافع وابن عامر وأبوه عمرو وأبو بكر ويعقوب فيما بعد، وهو قوله عما يقولون فقرأوه بالتحتية تنزها كذلك. { إذا } دالة على أن ما بعدها جواب عن قول المشركين أن مع الله آلهة وجزاء للو { لابتغوا } طلبوا { إلى ذى العرش } الجسم العظيم المحيط بالمخلوقات أو جسم لو ألقيت فيه السماوات والأراضى والكرسى لكانت كحلقة فى فلاة أو العرش كناية عن الملك أى لا تبغوا إلى مالك الملك { سبيلا } بالمبالغة والمضادة كما يقع بين الملوك من المحاربة على الملك هذا تفسير سعيد بن جبير وغيره إذ قال لا تبغوا إليه سبيلا فى إفساد ملكه ومضاهاته فى قدرته، قال إمام الحرمين أبو المعالى صاحب الورقات لو كان مع الله سبحانه وتعالى آلهة لأراد أحدهما تسكين جسم والآخر تحريكه فى حال واحد. ومحال أن يكون متحركا ساكنا فى حال واحدة وأن يكون لا متحركا ولا ساكنا فاستحال إنفاذ الإرادتين وعدم إنفاذهما معا فإن لم تنفذا معا فليسا بإلهين وإن لم تنفذ إرادة أحدهما فليس بإله، وإن فرضنا أن يتفقا فاختلافهما جائز والجائز فى حكم الواقع ولو كان الإلهان لم يمتنع ثلاثة وأكثر إلى ما لا نهاية له وعلى ذلك التفسير تكون الآية جارية على قوله تعالى
Halaman tidak diketahui