الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الآيةَ، نزلت -كما في "البخاري"- لمَّا أكثروا عليه ﷺ السؤال تعنتًا واستهزاءً، كقول بعضهم: مَنْ أبي؟ أين ضلَّت ناقتي؟ (١)
وجاء من غير وجهٍ أنها نزلت لمَّا سألوه عن الحج وقالوا: أفي كل عام؟ (٢)
وفي روايةٍ: أنه ﷺ خرج وهو غضبان محمَرٌّ وجهُه، حتى صعِد المنبر، فقام إليه رجلٌ فقال: أين أبي؟ قال: "في النار" فقام آخر فقال: من أبي؟ قال: "أبوك حذافة" وكان الناس يسبونه وينسبونه لغيره، فجثا عمر على ركبتيه واعتذر عنهم حتى سكن غضبه (٣)، فنزلت نهيًا لهم أن يسألوا -كما سألت النصارى في (المائدة) فأصبحوا بها كافرين- ومعلمةً لهم بأنهم ينتظرون نزول القرآن، فإنهم لا يسألون عن شيءٍ إلا وجدوا تِبيانه، قاله ابن عباس (٤).
ومعناه: أن جميع ما يحتاج إليه من الدين لا بد أن يبين في القرآن ابتداءً من غير مسألةٍ، وحينئذٍ فلا حاجة للسؤال، سيما عمَّا لم يقع، وإنما المحتاجُ إليه فهمُ ما أخبر اللَّه تعالى به ورسوله، ثم اتباعه والعمل به، كما أشار إليه ﷺ بقوله في حديث مسلم السابق: "إذا نهيتكم عن شيءٍ. . . إلخ" (٥) بخلاف من صرف همته عند سماع الأمر والنهي إلى فرض ما قد يقع وقد لا، فإنه مما يثبط عن الجد (٦) في امتثال الأمر والنهي.
والحاصل: أنه لا مانع من تعدُّدِ سبب النزول، وأن منه ما يسوء السائل جوابه، مثل: هل هو في الجنة أو النار؟ وهل أبوه من ينسب إليه أو غيره؟ وما كان منه على وجه التعنت والعبث والاستهزاء، كما كان يفعله كثير من المنافقين وغيرهم، وما كان فيه سؤال آية واقتراحها على وجه التعنت، كما كان يسأله المشركون وأهل الكتاب.
(١) صحيح البخاري (٤٦٢٢) عن سيدنا ابن عباس ﵄.
(٢) أخرجه الترمذي (٨١٤)، وابن ماجه (٢٨٨٤) عن سيدنا علي ﵁.
(٣) أخرجه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (١٢٨٠٦) عن سيدنا أبي هريرة ﵁.
(٤) أخرجه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (١٢٨١٢).
(٥) تقدم تخريجه قريبًا (ص ٢٧٨).
(٦) في بعض النسخ: (مما شط عن الحد).
1 / 279
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]