دهش خالد لهذا الموقف فوجم وأعياه الجواب، وهو في الحق موقف يخرج بكل إنسان عن صوابه، أليس هو موقف الاتهام الصريح بخيانة الأمانة؟ فإذا فوجئ به إنسان علانية وعلى ملأ من الناس جشأت نفسه وتولاه الذهول؛ ما بالك به موجها إلى خالد بن الوليد وهو في أوج ظفره بأعداء الله وأعداء المسلمين!
وعلى أي نحو يوجه هذا الاتهام؟ على نحو هو الإهانة كل الإهانة: تضم يداه إلى ظهره، وتعقلان بعمامته، وترفع قلنسوته عن رأسه! ما كان أغنى أمير المؤمنين عن هذا كله! أولم يكن حسبه أن يدعو خالدا إلى المدينة ما دام قد عزله عن عمله، فإذا لقيه بها سأله عما شاء، كما شاء فيما بينه وبينه؟!
لم تكن دهشة المسلمين الذين شهدوا هذا المنظر بأقل من دهشة خالد، ولقد تهامس بعضهم يتساءلون بينهم: ماذا يراد بسيف الله بعد هذا الموقف الذي يزرى بأحد الجند، بله القائد النابغة الذي فتح العراق والشام ودوخ الفرس والروم؟! أمن أجل عشرة آلاف من الدراهم تعقل يداه وتنزع قلنسوته، وهو الذي استفاء المسلمون ببأسه مئات الألوف بل ملايينها؟ وماذا تراه صنع بهذه العشرة الآلاف لتلحقه هذه الإهانة؟ أفأخذها لنفسه وأنكرها على أبي عبيدة أو على الخليفة؟ كلا! بل أجازها الأشعث بن قيس أمير كندة صاحب البلاء العظيم في العراق والشام، ولطالما أجيز الأشعث وأمثاله ذوو المكانة ممن شهدوا المواقع وكان لهم فيها بلاء وخطر! ألا إنها لقسوة من أمير المؤمنين برجل بلغ من ثقة رسول الله وثقة الصديق وثقة المسلمين به أعظم مبلغ!
كان أبو عبيدة ينظر إلى الناس من مجلسه على المنبر فيرى أمارات الدهشة والإنكار بينة على وجوههم، فلا يزيده ذلك إلا إمعانا في الصمت الذي التزمه في هذا الشأن، والذي أصر عليه منذ دعا خالدا إليه وأمر غيره أن ينفذ أمر عمر فيه، ولعله لم يكن أقل الحاضرين دهشة لهذا المنظر وأسفا عليه، لقد كان يعرف أكثر من غيره ما يؤاخذ عمر خالدا به من الزهو والتسرع إلى الحرب وشدة الحرص على الاستقلال بالرأي، ولقد صرف غاية همه خلال السنوات التي انقضت من خلافة عمر ليزيل من نفس أمير المؤمنين سوء رأيه في خالد وشدة برمه به، وقد بلغ من ذلك أن حمل عمر على إطراء خالد إثر قنسرين وما أحرزه ابن الوليد من النصر المؤزر فيها، أفذهب كل جهده هباء! فلم تكن صيحة عمر يومئذ: «أمر خالد نفسه! يرحم الله أبا بكر، كان أعلم بالرجال مني!» إلا صيحة إعجاب بفعلة عظيمة جزى خالد عنها بإمارة قنسرين، ثم ظل مع ذلك برما به! إن يكن ذلك فهو أعجب، وأعجب منه أن يجيء الأمر بعزل خالد في أوج مجده، والفرس والروم والعرب والمسلمون يتحدثون جميعا بفعاله، ويطأطئون الرءوس إكبارا لعظمته وإجلالا لعبقريته!
كان ذلك شأن أبي عبيدة وشأن جموع المسلمين شهود هذا المنظر، فماذا كان شأن خالد نفسه؟ أترانا نستطيع أن نصور ما كان يدور تلك الساعة بخلده، وما كانت تختلج به جوارحه؟! إن ألفاظ الدهشة والألم والكبرياء الجريح والغيظ المكظوم والثورة المكبوتة لتضيق منفردة ومجتمعة عن أن تصف ما كانت تضطرب به في هذه الساعة نفس رجل لم يطأطئ يوما رأسه ولم يعرف الذلة حياته، بل كان في جاهليته وفي إسلامه مثال الأنفة والكرامة والعزة، وكان البطل المعلم، كم جدل سيفه رءوس الأعزة، والقائد القاهر عنت لقوة بأسه العروش والممالك، أتراه اليوم يقيد بعمامته وكم قيد بالسلاسل ألوف الأسرى! أتراه يتهم بخيانة المسلمين في أموالهم وهو الذي أعز الله به الإسلام والمسلمين! يا لسخرية القدر! أما كان خيرا له أن يصرع في ميدان البطولة والشرف من أن يجاء به إلى موقف الخونة الأنذال فيصرع شرفه وتهدر بطولته!
ولكن كيف له أن يخرج من هذا الموقف المهين؟ فهذا بلال يسأله: أمن ماله أم من إصابة أصابها أجاز الأشعث بعشرة آلاف؟ وبلال لن يفك طائعا عقاله حتى يجيب، أفيلزم الصمت فيطول به هذا المنظر المزري؟ أم يكسر عقاله بيديه ويضع على رأسه قلنسوته وينظر إلى الحاضرين جميعا تلك النظرة الفاتكة التي عرفها خصومه وأصدقاؤه فيقول لهم: لا جواب عندي وليفعل عمر بعد ذلك ما بدا له؟ لكنه جندي من جنود المؤمنين، وعمر أمير المؤمنين، وهو الذي قضى بسيفه على المرتدين يوم ثاروا يحاولون أن ينازعوا أبا بكر إمارته، يثور هو بعمر فينازعه حقوق إمارته؟ كلا! إنه لأعظم إيمانا بالله من أن يثور بمن ولاه المؤمنون إمارتهم؛ لذلك لم يزد حين كرر بلال سؤاله: أمن مالك أجزت أم من إصابة أصبتها، على أن أجاب: بل من مالي!
ضج المسلمون فرحا حين سمعوا هذه الكلمة تتنفس عنها شفتا خالد، وخيل إلى كثيرين أن كل شيء قد انتهى، وأنه سيعود إلى إمارته بقنسرين كما كان، ثم ينسي الزمان وتنسي فعاله ما حدث، وزادهم اطمئنانا إلى ذلك أن بلالا لم يلبث حين سمع كلمة خالد أن أطلقه وأعاد قلنسوته ثم عممه بيده وقال: «نسمع ونطيع لولاتنا، ونفخم ونخدم موالينا.»
وخرج خالد وخرج الناس من هذا المجلس، يتحدث بعضهم إلى بعض، ويختلف بعضهم مع بعض: يرى قوم أن أمير المؤمنين على حق، فهو لم يحاسب خالدا إلا كما يحاسب غيره من عماله، ويرى آخرون أن خالدا خير أمير لجند المسلمين وأكثرهم نصرا، فمن حقه يوم توزن أخطاؤه أن توزن معها جلائل أعماله، ومن حقه إذا أراد عمر محاسبته أن يدعوه إليه وأن يحاسبه بنفسه وألا يقف موقف متهم آثم بين جند يقدرونه، ويقدسونه، وتعصب لخالد قوم أثارت إهانته نفوسهم، فذهبوا يذكرون مواقف عمر منه في عهد أبي بكر وعزله إياه عن إمارة الجند يوم استخلف، ويزعمون أن أمير المؤمنين إنما عرض خالدا للإهانة غيرة منه لتعلق الناس به ومحبتهم له؛ فهي المنافسة حركت ترات قديمة وليس فيها من العدل شيء.
أما خالد فلم تزايله دهشته بعد هذا المجلس، بل جعل يسائل نفسه وقد تولته الحيرة: ماذا أراد عمر به؟ فليس طبيعيا أن يكتفي بإجابته أنه أجاز الأشعث من ماله، وهو لا بد قد كتب لأبي عبيدة بأكثر مما حدث، ولو أنه لم يقصد إلى أكثر من العلم بمصدر العشرة الآلاف لكفاه أن يسأل أبو عبيدة خالدا وأن يبلغ أمير المؤمنين جوابه، فأما أن يقفه بين الناس هذا الموقف المهين، فلأمر له ما وراءه، وهذا الأمر خطير لا ريب، تشهد بذلك حيرة أبي عبيدة حيرة ألزمته الصمت، أفيسأله خالد عنه فيخرجه من حيرته ويقف هو على جلية الخبر؟ تحدث في هذا إلى بعض خلصائه، فذكروا له أن الناس يتناقلون بينهم أنه يذكر أن المال الذي أجاز به الأشعث من إصابة أصابها فلن يناله سوء وسيرده أبو عبيدة إلى عمله، أتراه يلقى أبا عبيدة فيسر إليه بما يشاء عمر حتى يعود إلى قنسرين أميرا كما كان؟! تردد في هذا الأمر بعد أن راودته عنه نفسه، فهو إن يفعل فيعرف الناس تنهدم في أنفسهم كرامته، وتنهدم معها ثقتهم به؛ لذلك ذهب إلى أخته فاطمة بنت الوليد يستشيرها، فقالت له: «والله لا يحبك عمر أبدا، وما يريد إلا أن تكذب نفسك ثم ينزعك.» وأقر خالد رأيها وقبل رأسها وقال لها: صدقت، وأقام ينتظر الأيام وما تكشف عنه.
بينما كان ذلك يجري بحمص كان عمر ينتظر بالمدينة مقدم خالد عليه معزولا عن عمله، فلم يدر قط بخلده أن يحجم أبو عبيدة عن تبليغ خالد أمر عزله أو أن يدع خالدا يتولى من الشئون ما لم يبق له بعد العزل أن يتولاه، فلما طال به الانتظار وأبطأ خالد عليه ظن الذي كان، وأدرك أن أبا عبيدة في لينه وتؤدته وتواضعه قدر ما ينزل بنفس خالد من الهم إذ يعرف المصير الذي أراده له أمير المؤمنين، وما ينشأ عن ذلك من قلق الجند والمسلمين في وقت ما أحوج أبا عبيدة فيه إلى اتقاء كل قلق وكل فتنة، أترى أمين الأمة توقع أن يعدل عمر عن أمره، فإذا سكنت الأيام من جماح ثورته كتب إليه برد خالد إلى عمله، ولذا سكت وصبر حتى تمر العاصفة فلا يرى أحد لها أثرا؟ دار بنفس أمير المؤمنين أن يكون هذا الخاطر قد مر بخلد أبي عبيدة فلم يطق أن تقوم في نفسه ظنة بأناته وبسداد رأيه ومضاء عزيمته، فكتب إلى خالد يستقدمه ويبلغه الأمر الذي أحجم أبو عبيدة عن أن يبلغه له، فلما تناول خالد كتابه ثارت نفسه، ورأى في صنيع أبي عبيدة إشفاقا عليه، وهو رجل يزدري الإشفاق وينكره؛ لذلك ذهب إلى أمين الأمة تضطرب نفسه بين محبته والغضب منه، وقال له: «رحمك الله! ما أردت إلى ما صنعت؟! كتمتني أمرا كنت أحب أن أعلمه قبل اليوم!» وأجابه أبو عبيدة في مودة وعطف: «والله ما كنت لأروعك ما وجدت لذلك بدا، وقد علمت أن ذلك يروعك.»
Halaman tidak diketahui