عاد أبو عبيدة وخالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان من بيت المقدس كل إلى عمله، فأقام يزيد بدمشق، ونزل أبو عبيدة بحمص، واستقل خالد بإمارة قنسرين، وجعل كل واحد منهم يدبر الأمر في ولايته بحزم يلطف الرفق من حدته، وعدل تجري الرحمة في مسالكه، وقد أمنوا فجاءات العدو بعد أن لحقته الهزيمة في كل مكان، وبعد أن دانت الشام للمسلمين من أقصى الجنوب بفلسطين إلى أقصى الشمال في سورية.
على أن أهل الجزيرة المقيمين بين العراق والشام، والذين دهم رجال سعد بن أبي وقاص من قبل منازل إخوانهم بهيت وتكريت والموصل وقرقيسياء، لم تهدأ نفوسهم بعد الذي نزل بإخوانهم، بل رأوا مساكنهم معرضة لغزو المسلمين إذا ظل هؤلاء يسيرون بالشام سيرتهم بالعراق؛ يفتحون ويخضعون القبائل، ويفرضون الجزية على من لم يدخل الإسلام، وكانوا قد يئسوا من يزدجرد بعد فراره إلى الري؛ لذلك كتبوا إلى هرقل أنهم معدون لمعاونته إذا بعث من البحر جندا يقاتل المسلمين ويسترد منهم ما استولوا عليه، ونظر هرقل في الأمر فرأى أنه لن يصاب بشر مما نزل به، فإن يبسم له الحظ فينتصر بهؤلاء الحلفاء على عدوه، ويقهر المسلمين في شمال الشام، استطاعت جيوشه أن تلاحقهم إلى دمشق وإلى بيت المقدس، ويومئذ تكون المعجزة، فيسترد قبر المسيح من العرب كما استرده من الفرس، ثم يسير إليه مجتازا سورية ومعه الصليب الأعظم يعيده إلى مكانه كما فعل قبل عشر سنين، ألا لئن تم ذلك ليكونن للصليب فيه من الفضل مثل ما كان له في عهد قسطنطين، ولينصرن الله المسيحية على يديه نصرا تعتز به على كل دين!
وأعاد أهل الجزيرة الكتابة إلى هرقل، فرأى منهم عزما لا يلين، ورأى أكثرهم من العرب النصارى الذين استمسكوا بدينهم وآثروا الجهاد في سبيله، وكان هرقل قد زايله الروع إذ قضى أكثر من سنة بعيدا عن ميادين القتال بالشام، ثم إنه رأى ثغوره ما يزال الكثير منها حصينا يقاوم هجمات المسلمين، ورأى أسطوله لم يصب بأذى، ورأى المسلمين يخافون البحر وكل ما يأتي من ناحيته، فقوى ذلك من عزمه ومال به إلى إجابة أهل الجزيرة لما يطلبون، صحيح أن تخوم المسلمين في شمال الشام حصينة فلا يتيسر اقتحامها عليهم، لكن هؤلاء العرب النصارى كفيلون بأن يقضوا مضجع خالد وأبي عبيدة إذا جاءوهم من قبل البادية، فإذا سار مدده من البحر في الوقت نفسه وعرف المسلمون أنهم يهاجمون من الشرق والغرب فت ذلك في أعضادهم، وأثار أهل الشام بهم، وأتاح له فرصة الثأر منهم.
وكتب هرقل إلى هذه القبائل يشجعهم ويحرضهم، ويذكر لهم أنه أمر سفنه فهي تمخر البحر تحمل الرجال والعتاد من الإسكندرية إلى أنطاكية، وسارت هذه القبائل بكل قواتها من الجزيرة تريد حمص، وبلغت أبا عبيدة أنباء ذلك كله، فدعا إليه خالد بن الوليد من قنسرين يشاوره، واستقر رأي الرجلين على أن تجتمع قوات المسلمين بشمال الشام لمواجهة العدو، فجمعا بحمص جند أنطاكية وحماة وحلب وسائر المسالح القريبة منها، وترامت إلى هذه البلاد أنباء هرقل ومدده المقبل من البحر، وأنباء الجزيرة وسير قبائلها إلى حمص، فتطاولت أعناق أهلها وذهبوا يتساءلون: عم تسفر هذه الحملة الجديدة التي يقوم بها قيصر وحلفاؤه؟ فلما أقبلت سفن هرقل إلى أنطاكية فتحت المدينة أبوابها لجنوده وثارت بالمسلمين، واندلع لهب الثورة في شمال الشام كله، وألفى أبو عبيدة نفسه محصورا في حمص يحيط به الثائرون من كل جانب، ويسير أعداؤه لمهاجتمه مقبلين من ناحية البحر ومن ناحية البادية، ماذا عساه يصنع؟ جمع أصحابه وذكر لهم أنه كتب إلى أمير المؤمنين يستمده لمواجهة هذا الموقف الدقيق، واستشارهم في مواجهة العدو وقتاله أو التحصن في انتظار المدد المقبل من المدينة، وانفرد خالد بن الوليد في المشورة بمناجزة العدو؛ أما سائر الأمراء فرأوا التحصن واستعجال المدد، ورأى أبو عبيدة رأيهم وخالف خالدا، فزاد في مناعة الحصون، وكتب إلى عمر بما رآه أصحابه.
لم ينس عمر يوما أن جنده بالعراق والشام قد يتعرض لمثل هذا الخطر، فيتعرض الفتح الإسلامي كله لمثل ما تعرض له يوم تولى إمارة المؤمنين، لهذا أمر بإنشاء البصرة والكوفة وجعلهما مسالح للمسلمين لا يقيم بهما غيرهم، ثم جعل في كل مصر من ستة أمصار أخرى أربعة آلاف فارس على تمام الأهبة لمثل هذه المفاجآت، فلما جاءه كتاب أبي عبيدة ورأى الخطر العظيم المحيط به، كتب في التو إلى سعد بن أبي وقاص: «أن اندب الناس مع القعقاع بن عمر، وسرحهم من يومهم الذي يأتيك فيه كتابي إلى حمص، فإن أبا عبيدة قد أحيط به، وتقدم إليهم في الجد والحدة.» ونفذ سعد أمر الخليفة ليومه، فندب القعقاع في أربعة آلاف من الفرسان المجربين فانطلقوا يغذون السير من الكوفة إلى حمص.
كان الأمر أخطر من أن يكفي لمواجهته سير القعقاع على رأس أربعة آلاف؛ فقد بلغ عدد الذين ساروا من الجزيرة إلى حمص ثلاثين ألفا، غير من بعثهم هرقل على السفن إلى أنطاكية، وكان عمر يعلم أن رجاله في كل بلد من بلاد الشام قد شغلوا بأهله، فلو أنهم تركوا هذه البلاد إلى حمص لاضطرب النظام في الشام كله؛ لذلك أردف أمره بسير القعقاع من الكوفة بأوامر أخرى كلها حسن التفكير وبعد النظر، فإنما أغرى القبائل التي سارت من الجزيرة إلى حمص بما صنعت ما خيل إليها من بعد منازلها عن المسلمين وغزوهم، فلو أن هذه المنازل غزيت لارتدت هذه القبائل على أعقابها، ولخفف ذلك عن أبي عبيدة وجنوده، فليسرح سعد بن أبي وقاص سهيل بن عدي إلى الجزيرة في الجند، «فإن أهل الجزيرة هم الذين استثاروا الروم على أهل حمص»، ولتكن الرقة مقصد سهيل، وليسرح عبد الله بن عتبان إلى نصيبين، فإذا أخضع هذان الأميران الرقة ونصيبين، فليسيرا إلى حران والرهاء، وليسرح الوليد بن عقبة إلى عرب الجزيرة من ربيعة وتنوخ، ولتكن لعياض بن غنم إمارة الجند كله في حرب الجزيرة، فإذا سار هؤلاء الأمراء جميعا ذكر أهل الجزيرة ما أصاب أهل هيت وقرقيساء والموصل فلم يقاوموا.
لم يكتف عمر بهذا كله؛ فقد قدر أن هرقل لم يندفع إلى المغامرة بإرسال جنوده على متن البحر إلى الشام بعد الذي أصابه من الهزائم فيه إلا لأنه استوثق من قوته، واطمأن إلى قدرته على الثأر لنفسه، ولا أدل على ذلك من أنه جعل ابنه قسطنطين على رأس الجيوش التي نقلتها السفن من الإسكندرية، ولو أن هرقل نجح في هذه المغامرة لقضى ذلك على سياسة عمر أيما قضاء، ولن يرضى عمر تصور هذا الاحتمال، ولن يألو جهدا في إفساده، لا بد إذن من تعبئة كل قوة يستطيع تعبئتها لمواجهة هذا الخطر الداهم، بل لا بد أن يواجهه هو بنفسه؛ لذلك حشد ما استطاع من قوات المدينة وما حولها وسار هو على رأسها متخذا طريق دمشق إلى ميدان القتال.
وكذلك تحركت الإمبراطورية الناشئة من شتى أرجائها للدفاع عن كيانها، سار القعقاع بأسرع ما يستطيع غياثا لأبي عبيدة، وانطلق سهيل بن عدي وعبد الله بن عتبان والوليد بن عقبة وعياض بن غنم لغزو الجزيرة وتأديب أهلها، وفصل عمر من المدينة قاصدا حمص، ودوت هذه الأنباء في العراق والشام كما دوت في شبه الجزيرة، وبلغت أبا عبيدة وأصحابه كما بلغت قبائل الجزيرة الذين جاءوا لحصاره، واطمأن أبو عبيدة لما بلغه، أما القبائل فأيقنت أن منازلها بالجزيرة لن ترعى لها حرمة بعد الذي صنعت، وأنه مصيبها ما أصاب الموصل وهيت وقرقيساء من قبل، فانخلعت منها القلوب وآثرت الرجعة من حيث أتت، لعل في رجعتها ما يكفر عن ذنبها.
وأصبح أبو عبيدة يوما فعلم أن القبائل تفرق أهلها مرتدين إلى بلادهم وذويهم، وأنه لم يبق بإزائه إلا الروم جند هرقل، فدعا إليه أمراء جنده وذكر لهم أنه يرى مناجزة القوم، واغتبط خالد بن الوليد، وأشار بمفاجأتهم قبل أن يأخذوا للموقف الجديد عدته، وظن الروم حين رأوا القبائل تتخلى عنهم، ورأوا المسلمين يخرجون من حصون حمص للقائهم أن في الأمر مكيدة دبرت لهم فتولتهم الحيرة، وهاجمهم أبو عبيدة فلم تمنعهم حيرتهم من الشدة في لقائه شدة تشهد بأنهم أعدوا لهذا اللقاء ما استطاعوا من قوة، فلولا انصراف القبائل عنهم لكان لهم من البأس ما يسوغ مخاوف أبي عبيدة ومخاوف عمر، لكن حيرتهم أضعفت مقاومتهم وانتهت بهم إلى الهزيمة، ففروا قبل أن يبلغ القعقاع بن عمرو حمص، وقبل أن يبلغ عمر الجابية
1
Halaman tidak diketahui