439

Durr Manzum

الدر المنظوم الحاوي لأنواع العلوم

أقول: في هذا الكلام مجازفة عظيمة، ومن أين للسائل أنا لم نتسبب لأمن شيء من الطرقات، هل علم ذلك من غير واسطة؟ فهو جليس بيته لا يتعلق بالأسفار، ولا نعلم أنه منذ دعونا قد سلك طريقا من طرق النواحي والأقطار، أو بواسطة؟ فشهادة النفي وروايته غير مقبولة، ولعله لما اطلع على عدم أمن الطرقات للجهات التي هو بها وما يحاذيها ظن أن ما عداها بصفتها، أو يبني على أنه لا طريق غيرها، أو نزل أمن سواها كعدمه بناء على أنها هي المعول عليه، وليس ينبغي أن يحمل العتب في عدم أمن طرقات أهل الأمصار المتغلبين عليها علينا، بل هو عليهم وإليهم، وأما الطرقات اللاتي في جهتنا وأسواق بلادنا، فنحن في جهد عظيم في إصلاحها ونكاية من تعرض للمارة فيها بسوء، ولنا في ذلك وقعات مأثورات، وفعلات مشهورات، كغزوة المدحاية التي كان فيها إجلاء أهلها المحاربين لله الذين يسفكون الدماء وينتهكون الأموال، راجعناهم في ترك ذلك فأبوا، فغزوناهم من فلله على بعد المسافة حتى أجليناهم منها، وقتلنا بعض أبطالهم وغنمنا المسلمين جميع أموالهم، وكغزوة مسروح لما تعدوا في طريق الدير وأفسدوا فيها طلعنا عليهم أعلى جبلهم، وأخليناهم عنه حتى تحكمنا عليهم في أمر الطرقات، وكغزوة عبس (1) وغير ذلك، وغيره، وليس علينا إلا جهدنا والنظر فيما نلي أمره.

قال: ولم نحي مدرسة قد أميتت.

أقول: هذا من قبيل الجزاف، فقد عمرنا في نواحينا المساجد والجوامع، وتأهلنا لالتقاط طلبة العلم والقرآن، حتى أنه قد يجتمع منهم العدد الكثير والجم، ينفقون ويكسون ويتعهدون بسائر مطالبهم، ولنا في هذا نهمة شديدة، إلا أن طلبة العلم المستفيدين قد طارت بهم العنقاء، وكيف لنا بمن يفيد ويستفيد، ونقوم بما يطلب كل منهم ويريد، وننفق عليهم ما احتاجوا إليه ونزيد، لكن إذا كانوا في جهاتنا لا أن علينا أن نقوم بهم في الجهات الأخر.

Halaman 487