Durr Manzum
الدر المنظوم الحاوي لأنواع العلوم
وقام غير هؤلاء من الدعاة والمقتصدين، منهم المتوكل أحمد بن علي بن أبي الفتح (1)، وقبره برغافة (2)، وآخر من قبلنا من الأئمة والدنا الهادي علي بن المؤيد عليه السلام عاش في تلك الجهة، وبين أظهرهم داعيا نيفا وأربعين سنة، فما أقام بها حدا، ولا نفذ حكم شريعة قهرا، ونحن لم يمض من دعوتنا إلا بعض سنة، وقد أقمنا بها الحدود وأزلنا كثيرا من بدعها وتعدي الحدود، ونظمنا فيها من القواعد الدينية ما يزري بنظم القلائد العسجدية، ولقد كانت جهة يسنم ونواحيها أعظم الجهات تعديا وبعدا عن قواعد دين الله، وأكثرها فسادا ومجاهرة بالمعاصي، وقبائلها أعظم القبائل تكبرا وتجبرا وبعدا عن الانقياد، فكان منا فيها ما علمه العام والخاص، والداني والقاص، من إماتة البدع، وإحياء السنن، وتقعيد قواعد الشريعة، وإقامة حدود الله، وإثبات الجمع، واستخراج الحقوق، وانتصاف المظلوم من الظالم، وإصلاح المساجد، وعمرنا فيها جامعا من أجل الجوامع وأوسعها وأنفعها، وقررنا فيه عدة من الفضلاء وأهل الذكر، وفيه تقام جمعة ما يعلم في جهة الزيدية أبرك منها ولا أفضل، حتى أنه لا يعلم في قطر اليمن من مكة إلى عدن، جهة تساويها في هذه المعاني، ولم نؤسس فيها مجابي وقوانين، ولا أشياء مما يعتاد في المدن، وهذا وادي المدثاة (3) ، وناحية رغافة كان ثم من البدع العظيمة والفواحش الظاهرة مالم يعلم بمثله، حتى أنه كان في تلك الجهة أماكن في الصحراء متعددة كل واحد منها لنوع من المعاصي يذهب إليه أهله ظاهرا، فكان منا من العناية في صلاحها ما كان، مدة من الزمان، حتى أعان الله وصارت هجرة من الهجر، وأسكنا بها بعض الأخوة الفضلاء، ونصبنا فيها حاكما من حكام الإسلام، وعمرنا فيها مسجدا من أحسن المساجد تقام فيها الجماعات والجمعات، ويذكر الله فيه في جميع الأوقات، وصارت يضرب بها المثل، وهذه جهة السودة وغيرها مما في أيدينا يسأل عن حالها، هل يظهر فيها منكر أو تتفق مظلمة، أو يجاهر فيها ببدعة، مع أنه لم يتهيأ لنا فيها كما يتهيأ في غيرها، لعوارض ترجع إلى أهلها، وكذا الجهات الشرفية يسأل عن أحوالها معنا وقبلنا، وما لنا من العناية في تطهيرها من الفساد، وإحياء دين الله فيها زائدا على ما يعتاد، ولو ثني لنا الوساد، وسلمنا من أهل المعارضة والعناد، لكان ذلك إلى تكاثر وازدياد، ولبلغنا في إحياء دين الله وإقامة ما شرع الله المراد.
قال: فلم تؤمن طريق قد أخيفت.
Halaman 486