229

فلما نزلت بديوان "تونس"، وسمع بي الذين بها من أحبار النصارى، أتوا بمركب، وحملوني معهم إلى ديارهم، وصحبتهم بعض التجار الساكنين أيضا بتونس، فأقمت عندهم في ضيافتهم على أرعد عيش أربعة أشهر، وبعد ذلك سألتهم هل بدار السلطان أحد يحفظ لسان النصارى، وكان السلطان آنذاك مولانا أبا العباس أحمد -رحمه الله- فذكر لي النصاري أن بدار السلطان المذكور رجلا فاضلا من أكبر خدامه اسمه "يوسف الطبيب" وكان طبيبه، ومن خواصه، ففرحت بذلك فرحا شديدا .. وسألت عن مسكن هذا الرجل الطيب، فدللت عليه، واجتمعت به، وذكرت له شرح حالي، وسبب قدومي للدخول في الإسلام، فسر الرجل بذلك سرورا عظيما بأن يكون تمام هذا الخير على يديه، ثم ركب فرسه وحملني معه لدار السلطان، ودخل عليه فأخبره بحديثي، واستأذنه لي، فأذن لي.

فمثلت بين يديه، فأول ما سألني السلطان عن عمرى، فقلت له: "خمسة وثلاثون عاما"، ثم سألني عما قرأت من العلوم، فأخبرته، فقال لي: "قدمت قدوم خير، فأسلم على بركة الله، فقلت للترجمان -وهو الطبيب المذكور-: "قل لمولانا السلطان إنه لا يخرج أحد منه دين إلا ويكثر أهله القول فيه، والطعن فيه، فأرغب من إحسانكم أن تبعثوا إلى الذين بحضرتكم من تجار النصارى وأحبارهم، وتسألوهم عني وتسمعوا ما يقولون في جنابي، وحينئذ أسلم إن شاء الله تعالى"، فقال لي بواسطة الترجمان: "أنت طلبت ما طلب "عبد الله بن سلام" من النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أسلم" (¬1).

Halaman 234