Culuh Himma
علو الهمة
Genre-genre
"يا سيدي إن العاقل لا يختار لنفسه إلا أفضل ما يعلم، فإذا علمت فضل دين الإسلام فما يمنعك منه؟ "، فقال لي: "يا ولدى إن الله تعالى لم يطلعني على حقيقة ما أخبرتك به من فضل الإسلام، وشرف نبي أهل الإسلام إلا بعد كبر سني، ووهن جسمي، ولا عذر لنا فيه بل هو حجة الله علينا قائمة، ولو هداني الله لذلك وأنا في سنك لتركت كل شيء، ودخلت في دين الحق، وحب الدنيا رأس كل خطيئة، وأنت ترى ما أنا فيه عند النصارى من رفعة الجاه والعز والترف، وكثرة عرض الدنيا، ولو أني ظهر علي شيء من الميل إلى دين الإسلام لقتلتني العامة في أسرع وقت، وهب أني نجوت منهم، وخلصت إلى المسلمين، فأقول لهم: إني جئتكم مسلما، فيقولون لي: قد نفعت نفسك بنفسك بالدخول في دين الحق، فلا تمن علينا بدخولك في دين خلصت به نفسك من عذاب الله، فأبقى بينهم شيخا كبيرا فقيرا ابن تسعين سنة، لا أفقه لسانهم ولا يعرفون حقي فأموت بينهم جوعا (¬1)، وأنا والحمد لله على دين عيسى وعلى ما جاء به، يعلم الله ذلك مني"، فقلت له: "يا سيدي أفتدلني أن أمشي إلى بلاد المسلمين وأدخل في دينهم؟ "، فقال لي: "إن كنت عاقلا طالبا للنجاة فبادر إلى ذلك تحصل لك الدنيا والآخرة، ولكن يا ولدي هذا أمر لم يحضره أحد معنا الآن، فاكتمه بغاية جهدك، وإن ظهر عليك شيء منه قتلتك العامة لحينك، ولا أقدر على نفعك، ولا ينفعك أن تنقل ذلك عني، فإني أجحده، وقولي مصدق عليك، وقولك غير مصدق علي، وأنا بريء من ذلك إن فهت بشيء من هذا"، فقلت: "يا سيدي أعوذ بالله من سريان الوهم لهذا"، وعاهدته بما يرضيه.
ثم أخذت في أسباب الرحلة وودعته، فدعا لي عند الوداع بخير، وزودني بخمسين دينار ذهبا، وركبت البحر منصرفا إلى بلدي مدينة "ميورقة"، فأقمت بها مع والدي ستة أشهر، ثم سافرت منها إلى جزيرة صقلية، وأقمت بها خمسة أشهر، وأنا أنتظر مركبا يتوجه لأرض المسلمين.
فحضر مركب يسافر إلى مدينة "تونس"، فسافرت فيه من "صقلية"، وأقلعنا عنها قرب مغيب الشفق، فوردنا مرسى "تونس". قرب الزوال.
Halaman 233