Carais Bayan
عرائس البيان في حقائق القرآن
وكنت مصطفا على الخلق لا بسابقة سبقت لك إلي ، بل بسابقة مني إليك.
وأيضا : كن من العارفين بمشكورك ، فإن المعرفة بالمشكور هو الشكر لا غير.
وقال الأستاذ في قوله : ( وكن من الشاكرين ) إشارة لطيفة ، قال : لا تكن من الشاكين ولا ممن يشكو ، يعني : أن منعتك عن سؤالك ، ولم أعطك مطلوبك ، لا تشتكي إذا انصرفت ، وأنشد في معناه :
إن أعرضوا فهم الذين تعطفواكم
قد وفوا فأصبر لهم إن خلفوا
ثم إن الله ذكر زيادة نعمه عليه بأن عرفه مواضع حقائق علومه الغيبية وأسراره العجيبة ، وأنبائه الغريبة الأزلية بقوله : ( وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء ).
في قوله : ( وكتبنا له ) إشارة عجيبة ، أي : كتبنا أسرارنا له لأنه أهلها ، عارف بها وغيره مقلده ؛ لأن أسرار الخطاب إشارات الأزلية إلى حكم الأبدية ولا يعرفها إلا من كان مصطفى ومصطنعا لها ؛ ولذلك قال : ( واصطنعتك لنفسي ) و ( اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي ).
ومعنى قوله : ( وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة ) إشارة إلى ألواح الصفات والذات ، كقوله : ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ) التي خصصناه بما في علومنا الأزلية في الأزل.
وأيضا : أي كتبنا في ألواح أنوار قلبه من نقوش حروف أسرار الوحدانية ، ومن كل شيء إشارة إلى علوم الذات والصفات والأفعال ؛ لأنه تعالى شيء الأشياء ، أي : علمناه علم ما كان وما سيكون من العرش إلى الثرى ، موعظة بلسانه للعارفين والعاشقين والمشتاقين الذين يتعرفون طرق وصالنا.
( وتفصيلا لكل شيء ) أي : مبين غوامض بطون الأشياء ، ومفسر إشارات السرمدية الأزلية ، فلما أعظم أقدار كلامه في قلبه وعينه ، وعرفهما مكان شكره فيه أمره أن يقبل إليه به لا بنفسه ؛ ليعرف به لا بنفسه ، ويعمل به لا بنفسه بقوله : ( فخذها بقوة ) أي : هذه أثقال الربوبية ومرجى أمر الأزلية.
Halaman 473