ولقد ظللت أراقب ما يحدث وأنا سعيد، فهذه الخلافات التي يتصورها أبناء قريتنا، وهذا الشد والجذب، وهذه الخناقات والاجتماعات والتحزبات، هي الثورة، هي عملية الانصهار الضخمة التي تحدث للمجتمع وترفع من درجة حرارته ليعيد تشكيل نفسه من جديد، وعلى أسس جديدة، لتندحر وتزول قيم كانت سائدة ومستشرية، ولتنمو قيم جديدة، وهكذا، وبامتداد ذلك الوضع الطبيعي الصحي في القرية إلى أكثر بكثير من مداه تحول إلى مرض ووباء، وبدلا من أن يؤدي الاختلاف والتحزب إلى العثور على الحقائق الجديدة والحلول الأحسن استحال إلى مرض اسمه التعصب، وانقسمت القرية إلى معسكرات متعصبة متعاندة متحاربة متشاتمة، تعصب لا هدف له إلا التعصب ذاته، بل تنقلب أهدافه في النهاية إلى أضرار، فأي مشروع مفيد يتبناه أحد الأطراف يسارع الطرف الآخر إلى الوقوف ضده وإفشاله لمجرد أنه صادر عن معسكر مخالف أو معاد.
وهكذا أيضا توقفت حركة النمو الطبيعي في القرية، حركة الدفع الذاتي الذي كان لا بد أن يؤدي بهذا المجتمع الصغير إلى الوصول إلى مرحلة التصنيع مثلا كما حدث لمصر المدينة، وحركة الغليان التي كانت تشمل المجتمع كله خمدت بين الجماهير والقاعدة، وظلت مستمرة بين القيادات: من يحكم القرية؟ لمن تكون السلطة؟ استمر الغليان واستمرت القاعدة تتفرج عليه زمنا، وتتناقل أخباره باعتباره مصنعا للأحداث في القرية التي نادرا ما تدور فيها أحداث، ولكن بمضي الوقت ، وبإدراك الناس أن هذا الصراع شخصي وذاتي محض وهدفه السلطة لا أكثر، بدءوا يضيقون به، ثم بدءوا يثورون عليه ثورة صامتة في أحيان، أو آخذة شكل التعليقات المرة الساخرة في أحيان.
وجاءت انتخابات العمودية لتشهد القرية أعنف صراع في تاريخها، صراع لولا زهد القاعدة الجماهيرية فيه لانقلب إلى معركة دموية رهيبة، صراع جعلني أوقن أننا قد آن الأوان للتخلص من نظام العمودية هذا وذاك «المرض العثماني» كما سماه «فهمي أبو عقل» أحد أعضاء الاتحاد الاشتراكي في قريتنا، ذلك النظام الذي يتيح لفرد واحد أن يكون «عمدة» على مجموعة جماهيرية ضخمة، نظام لا بد من استبداله بحيث تكون القيادة والزعامة للجنة، بحيث تكون القيادة والرئاسة جماعية لا أثر فيها لاستبداد الماضي ونظامه الفردي المطلق.
جاءت انتخابات العمودية لتزيد الطين بلة، وليصل المرض إلى حد اليأس والزهد.
وفي ذلك الوقت جاء العيد والقرية قد تقرر إقامة وحدة صحية فيها، ولكن المحافظة تشترط لإقامتها أن تتبرع القرية بثمانية قراريط لتقام عليها الوحدة، وقد حاولت لجنة الاتحاد الاشتراكي من ناحيتها جمع التبرعات لشراء الأرض اللازمة فقضى التعصب على محاولاتها، فما دام الذي سيقوم بجمع التبرعات من هذا الفريق فلا بد للفريق الآخر أن يعارض ويرفض، وميزانية الوحدة معتمدة، ومبلغ يوازي خمسة آلاف جنيه مودع في البنك في انتظار الأرض، والمرضى في القرية كثيرون في حاجة ماسة ملحة إلى العلاج، والتحزب والتعصب يقف حائلا بين القرية وبين تحقيق هذا المشروع وبين بناء مدرسة، وبين إقامة ناد ومصنع، وبينها وبين أي خطوة إلى التطور والتحضر.
وفي العيد - كمحايد - قررت أن أقوم بتجربة، فبدلا من محاولة إصلاح الحال بين الزعماء والقيادات والأحزاب ألجأ إلى جماهير القرية مباشرة، إلى الفقراء والمحتاجين والعاملين الصغار الذين يكونون الآلاف، وأن أجمع منهم، ومن قروشهم، مبلغ الأربعمائة جنيه اللازمة لشراء الأرض.
وهكذا بعد صلاة العيد قمت أدعو الناس للتبرع وأشرح لهم حيوية المشروع، والهوة التي تردت فيها القرية بسبب الخلافات، والحقيقة أني مهما تصورت فلم أكن أبدا أتصور أن الاستجابة ستكون بهذا الحماس، فأنا أكتب هذه الكلمة من قريتنا في ثاني أيام العيد وأمامي ترقد أكثر من ثلاثمائة جنيه جمعت في يوم واحد، من قروش الفقراء، وخمسات قروشهم، وأرباع جنيهاتهم، فجأة تحول العيد إلى حمى، إلى حماس ملتهب من أجل إقامة المستشفى، وسرت الروح إلى كل بيت ورجل. وفي ساعات كان المبلغ يتكاثر بطريقة مذهلة، وإلى ساعة متأخرة من الليل كان باب بيتنا يدق، وشخص يدخل، أفقر حلاق في قريتنا، ذلك الذي لم يتجاوز ما جمعه من قص شعور الناس لحلقة العيد أكثر من خمسين قرشا، يدق الباب ومعه ريال، أجل عشرون قرشا كاملة، يريد وبحماس شديد، أن يضيفها إلى قائمة التبرعات، وكان لا يمكن لحماس هائل كهذا إلا أن يظل يزحف حتى يدخل على الأعيان والقيادات والأحزاب منازلها، فإذا بهم هم الآخرون يتسابقون للتبرع، وقد وجدوا التيار الجماهيري يغادرهم ويتركهم في خلافهم ويندفع ناحية عمل من أجل القرية كلها، وليس من أجل من يرأس، ولا من يتزعم.
وما أذهلني أكثر أن هذه الحملة الاستفتائية التبرعية لم تكشف أن الناس يريدون عملا واضحا محددا فقط، وإنما كشفت أيضا أن الخلافات تظل قائمة ما دام ليس هناك عمل، وحيثما وجد العمل زال الخلاف من تلقاء نفسه. ففجأة أيضا، وبعد خمس سنوات من الصراع الدموي الرهيب الذي سقطت فيه قتلى وجرحى وأنفقت فيه آلاف الجنيهات وترسبت آلاف الأحقاد، فجأة وجدت الأطراف المتنازعة تحس، وقد انسحبت الجماهير من تحت راية التعصب إلى راية العمل، تحس أن خلافها لا أساس له ولا معنى، وأنها غير متحمسة إطلاقا للمضي في هذا الخلاف، وأن المرشحين للعمودية، والذين كان قد تقرر إعادة انتخابهم فيما بينهم، على استعداد للتنازل جميعا عن ترشيح أنفسهم وتناسي كل شيء.
وهكذا في يوم واحد جمعت القرية مبلغ المال اللازم لإقامة المستشفى، وانتهى الصراع حول الحكم.
وفي صلاة الجمعة وجدتني أزف إلى قريتنا أسعد خبر تنتظره، وهو أن جميع قياداتها المتنازعة قد اصطلحت، وأن السلام قد حل في القرية، وآن لها أن تحتفل بالعيد الحقيقي .
Halaman tidak diketahui