ويقول: «النية هي الإرادة الباعثة للقدرة، المنبعثة عن المعرفة. وبيانه أن جميع أعمالك لا تصح إلا بقدرة وإرادة وعلم، والعلم يهيج الإرادة، والإرادة باعثة للقدرة، والمقدرة خادمة الإرادة.» ص162 من الأربعين.
وواضح أن الإرادة كما يراها الغزالي لا تختلف عما نراه الآن فإنك لا تجد فرقا بين كلامه هذا وبين قول جول سيمون: «والواقع أننا لأجل أن نعمل يجب أن نريد، ولأجل أن نريد يجب أن نعرف ماذا نريد، ولماذا نريده.» الواجب ص19.
4
ويقرر الغزالي فوق ما تقدم أنه لا يكفي أن يعلم الإنسان صواب العمل ليريده وينفذه، بل لا بد من أن يقوي في نفسه كون الشيء موافقا له، فإذا جزمت المعرفة بأن الشيء موافق ولا بد أن يفعل، وسلمت عن معارضة باعث آخر صارف عنه، انبعثت الإرادة، ونهضت القدرة لتنفيذ المراد.
ويقرر كذلك أن نهوض القدرة للعمل قد يكون بباعث واحد، وقد يكون بباعثين اجتمعا في فعل واحد. وإذا كان بباعثين فقد يكون كل واحد من القوة بحيث لو انفرد لكان كافيا لإنهاض القدرة، وقد يكون كل واحد قاصرا عنه إلا بالاجتماع ! وقد يكون أحدهما كافيا لولا الآخر، ولكن قام الآخر بمعاونته. فالباعث الثاني إما شريك أو رفيق أو معين. ولهذا التقسيم مزية في تقدير ما في العمل من خير أو شر بتقدير البواعث؛ فإن العمل تابع للباعث عليه، فيكتسب الحكم منه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. بل ربما كانت النيات أقوى في التقدير من الأعمال، ومن هنا كانت نية المرء خيرا من عمله، كما جاء في الحديث الشريف، وكما ذكر الغزالي من أن أعمال الجوارح ليست مرادة إلا لتأثيرها في القلب، ليميل إلى الخير، وينفر من الشر.
1
تربية الإرادة
تربى الإرادة فيما يرى الغزالي بتكرار طاعة الميل المحمود وتكرار مجاهدة الميل المذموم. وفي ذلك يقول: «وإذا حصل الميل بالمعرفة فإنه يقوى بالعمل بمقتضى الميل، والمواظبة على مقتضى صفات القلب تجري مجرى الغذاء والقوت لتلك الصفات، فالمائل إلى طلب العلم أو طلب الرياسة لا يكون ميله في الابتداء إلا ضعيفا، فإن اتبع مقتضى الميل، واشتغل بالعلم، وتربية الرياسة، والأعمال المطلوبة لذلك، تأكد ميله ورسخ، وعسر عليه النزوع. وإن خالف مقتضى ميله ضعف ميله وانكسر، وربما زال. بل الذي ينظر الى وجه حسن مثلا فيميل إليه طبعه ميلا ضعيفا، ولو تبعه وعمل بمقتضاه فداوم على النظر، والمجالسة، والمخالطة، والمحاورة، تأكد ميله حتى يخرج أمره عن اختياره فلا يقدر على النزوع عنه. ولو فطم نفسه ابتداء، وخالف مقتضى ميله، لكان ذلك كقطع القوت والغذاء عن صفة الميل، ويكون ذلك دفعا في وجهه حتى لا يضعف ... لأن بين الجوارح والقلب علاقة، حتى إنه ليتأثر كل واحد منهما بالآخر. إلا أن القلب هو الأصل المتبوع، فكأنه الأمير والراعي. والجوارح كالخدم والرعايا والأتباع».
والغزالي لا يرى للعمل قيمة بغير النية، وإن شئت الإرادة. وإذا كانت النية هي التي تقوم بالعمل، فمن الخير أن تكون قوية، لأنه كما تكون الرغبة في عمل طيب، أو النفرة من عمل خبيث، يكون جزاء العامل: فيكثر أجره إن قوي حبه للخير، وبغضه للشر، ويقل فيما عدا ذلك. وقد نص في عدة مواطن من كتبه بأن المعول على القلوب، حتى لنجده يذكر أن الصغيرة تنقلب كبيرة بالإصرار والمواظبة، أو بالاستهانة بما لها من الخطر. وأن الكبيرة إذا وقعت بغتة، ولم يتفق إليها عود، واستعظمها المرء، كانت مرجوة العفو، وفي ذلك يقول: «فإن الذنب كلما استعظمه العبد من نفسه صغر عند الله، وكلما استصغره كبر عند الله، لأن استعظامه يصدر عن نفور القلب منه، وكراهيته له، وذلك النفور يمنع من شدة تأثره به. واستصغاره يصدر عن الألف له، وذلك يوجب شدة الأثر في القلب، والقلب هو المطلوب تنويره بالطاعات والمحذور تسويده بالسيئات.» ص33 ج3.
أهمية الارادة
Halaman tidak diketahui