1
وردت كلمة الإرادة في كتب الغزالي لأغراض متعددة: فتارة يريد بها السلوك في طريق الله، ومنها المريد الذي يرد كثيرا في كلامه ويريد به السالك في ذاك الطريق، طريق الصوفية.
وللإرادة بهذا المعنى شرط يتقدمها: وهو رفع السد الذي بين المريد وبين الحق، وهذا السد فيما يرى الغزالي أربعة أشياء: المال، والجاه، والمعصية، والتقليد.
ويرفع حجاب المال بخروج المريد عن ملكه، حتى لا يبقى له إلا قدر الضرورة. ويرفع حجاب الجاه بالبعد عن مواطنه مع إيثار الخمول. ويرفع حجاب التقليد بترك التعصب للمذاهب. أما المعصية فلا يرفعها إلا التوبة، والندم، والعزم على عدم العود والخروج من المظالم.
والتجرد من هذه الحجب فيما يرى الغزالي كالتطهر للصلاة ولا بد للمصلي من إمام. فكذلك لا بد للمريد من أستاذ، وقد وضع عدة آداب للمريد مع أستاذه، وليس ذلك مما يعنينا الآن. ويكفي أن يعرف القارئ ما يقصد من كلمة مريد التي يكثر دورانها في «الميزان» و«المنهاج» و«الإحياء».
2
وتارة يذكر الإرادة ويريد بها ما ينبعث عن المعرفة ويسخر القدرة، والإرادة بهذا المعنى هي المقصودة عند علماء الأخلاق. ولها عند الغزالي أسماء مختلفة: فنراه حينا يسميها القوة العاملة إذ يقسم قوى النفس الإنسانية إلى قوة عالمة، وقوة عاملة، ويذكر أن الثانية «هي قوة ومعنى للنفس هو مبدأ حركة بدن الإنسان إلى الأفعال المعينة الجزئية المختصة بالفكر والروية على ما تقتضيه القوة العالمة النظرية» الميزان ص26.
ونراه حينا آخر يسميها النية. ويعنونها كذلك في الأربعين والإحياء . فلو أنك نظرت في الفهرست لتعرف في أي موضع تكلم عن الإرادة، ثم نظرت في الفصل الذي شرحها فيه، لما رأيتها الإرادة التي يتكلم عنها الأخلاقيون، وإنما رأيتها الإرادة التي عناها الصوفية، واشتقوا منها كلمة مريد. فأما الإرادة التي هي من موضوعات الأخلاق، فاسمها عند الغزالي النية، وله في شرحها كلام طويل.
3
يقول الغزالي: «إن النية والإرادة والقصد، عبارات متواردة على معنى واحد وهو حالة وصفة القلب، ويكتنفها أمران: علم وعمل. والعلم يتقدم لأنه أصل وشرط. والعمل يتبع لأنه ثمرة وفرع. وذلك لأن كل عمل، أعني كل حركة وسكون اختياري لا يتم إلا بثلاثة أمور: علم، وإرادة، وقدرة. لأنه لا يريد الإنسان ما لا يعلمه، فلا بد وأن يعلم، ولا يعمل ما لم يرد فلا بد من إرادة، ومعنى الإرادة انبعاث القلب إلى ما يراه موافقا للغرض، إما في الحال، وإما في المآل.» ص381 ج4 إحياء.
Halaman tidak diketahui