तावीलात
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
ونذر الظالمين فيها جثيا
[مريم: 72] بقوله: { رب السموت والأرض وما بينهما فاعبده } [مريم: 65] يشير إلى أنه تعالى خالق ورب سماوات الأرواح وأرض الأجساد وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار، فاعبده بجسدك ونفسك وقلبك وسرك وروحك، فعبادة جسدك إياه بأركان الشريعة وهي: الائتمار بما أمرك الله به، والانتهاء عما نهاك الله عنه، وعبادة نفسك بآداب الطريقة وهي: ترك موافقات هواها، ولزوم مخالفة هواها، وعبادة القلب بالإعراض عن الدنيا وما فيها، والإقبال على الآخرة ومكارمها، وعبادة السر خلوة عن تعلقات الكونين اتصالا بالله ومحبة له، وعبادة الروح ببذل الوجود ليل الشهود { واصطبر لعبادته } [مريم: 65] بالمداومة على المجاهدات، فإنها تورث المشاهدات، { هل تعلم له سميا } [مريم: 65] أي: مثلا في الخالقية والربوبية أو جنسا في المحبة والمحبوبية.
{ ويقول الإنسان } [مريم: 66] أي: النفس الإنسانية لجهلها بالحقائق { أءذا ما مت } [مريم: 66] عن صفات الحيوانية { لسوف أخرج حيا } [مريم: 66] بصفات الروحانية بطريق الاستهزاء { أولا يذكر الإنسن } [مريم: 67] أي: لا يتذكر نفسه { أنا خلقناه من قبل } [مريم: 67] بازدواج الروح والحسد { ولم يك شيئا } [مريم: 67] موجودا أفلا نقدر على أنها إذا ماتت عن صفاتها الحيوانية يحييها بصفات الروحانية، بل بصفات الربانية.
ثم ذكر القسم للتوكيد بقوله: { فوربك لنحشرنهم والشياطين } [مريم: 68] أي: لنجعلهم مع الشياطين شياطين الجن والإنس { ثم لنحضرنهم حول جهنم } [مريم: 68] القهر والغضب { جثيا * ثم لننزعن من كل شيعة } [مريم: 68-69] من النفوس المتمردة العاتية { أيهم أشد على الرحمن عتيا * ثم لنحن أعلم بالذين } [مريم: 69-70] نزعناهم من { هم أولى بها صليا } [مريم: 70] أي: أولى وأحق لجهنم القهر أن يصليه فيها، ومن منهم أولى وأحق أن ينعم عليه ويميزه عنهم بتخليصه عن ظلمات وجوده بنور وجودنا، ونهديه إلى عالم الوصول والوصال بجذبات العناية الأزلية التي هي كفاية الأبدية.
[19.71-76]
ثم عم الخطاب: { وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا } [مريم: 71] وإن منكم من الأنبياء والأولياء والمؤمنين والكافرين إلا وهو وارد هاوية الهوى بقدم الطبيعة { ثم ننجي الذين اتقوا } [مريم: 72] عن الهوى بقدم الشريعة على طريق الطريقة للوصول إلى الحقيقة، وفيه نكتة لطيفة، وإشارة شريفة وهي: إنه تعالى أحال الورود إلى الوارد، وأحال النجاة إلى نفسه تعالى؛ يعني: إن كل وارد يرد بقدم الطبيعة في هاوية الهوى إن شاء وإن أبى ولو التجى إلى طبيعة لا ينجو منها أبدا، ولكن ما نجا من نجا إلا بإنجاء الله تعالى إياه، ثم قال: { ونذر الظالمين فيها جثيا } [مريم: 72] أي: ومن خلد في جهنم طبيعة بقي فيها مكبا على وجهه متوجها إلى أسفل السافلين.
ثم أخبر عن الطريقة للفريقين بقوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينت } [مريم: 73] إلى قوله: { مردا } [مريم: 76]، بقوله: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينت } [مريم: 73] يشير إلى أن أهل الإنكار وأهل العزة بالله إذا تتلى عليهم آياتنا بينات من الحقائق والأسرار { قال الذين كفروا } [مريم: 73] أي: ستروا الحق بالإنكار والاستهزاء. { للذين آمنوا } [مريم: 73] من أهل التحقيق إذا رأوهم مرتاضين مجاهدين مع أنفسهم، متحملين متواضعين متذللين متخاشعين، وهم متنعمون متمولون متكبرون مبتغون شهوات نفوسهم ضاحكون مستبشرون { أي الفريقين } [مريم: 73] منا ومنكم { خير مقاما } [مريم: 73] منزلة ومرتبة في الدنيا، ووجاهة عند الناس، وتوسعا في المعيشة { وأحسن نديا } [مريم: 73] مجلسا ومنصبا وحكما، كما قال تعالى جوابا لهم: { وكم أهلكنا قبلهم من قرن } [مريم: 74] أي: أهلكناهم بحب الدنيا ونعيمها إذا أغرقناهم في بحر شهواتها، واستيفاء لذاتها، والتعزز بمناصبها { هم أحسن أثاثا ورءيا } [مريم: 74] أي: هم أحسن استعداد واستحقاق للكمالات الدينية منكم كما قال صلى الله عليه وسلم:
" خياركم في الإسلام خياركم في الجاهلية إذا فقهوا "
{ قل من كان في الضللة } [مريم: 75] ضلالة الإنكار واتباع الهوى { فليمدد له الرحمن مدا } [مريم: 75] أي: فليهمله في غروره وحسبانه، ويدعه في غفلة عن أحوال أرباب القلوب وملوك الدين { حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب } [مريم: 75] وهو أن يميتهم الله على ما عاشوا فيه من الإنكار والغرور والغفلة { وإما الساعة } [مريم: 75] وهي أن يميتهم عن صفات نفوسهم بصواعق جذبات العناية، ويقيم عليهم قيامة الشوق والمحبة، ويحييهم حياة طيبة بنور الإيمان { فسيعلمون } [مريم: 75] في كلتي الحالتين. { من هو شر مكانا } من الفريقين { وأضعف جندا } [مريم: 75] حين تحقق لهم أن فريقا منهم هم حزب الله في الآخرة وحزب الشيطان { ويزيد الله الذين اهتدوا } [مريم: 76] والذين جاهدوا في طلب الهداية وسعوا، يزيد الله في هدايتهم بالإيمان { هدى } [مريم: 76] بالإيقان بل بالعيان لا بالبرهان { والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا } [مريم: 76] وهي الأعمال الصالحات التي هي من نتائج الواردات الإلهية التي ترد من عند الله إلى قلوب أهل العيوب؛ أعني: كل عمل يصدر من عند نفس العبد من نتائج طبعه وعقله ما يكون من الباقيات، وإن كان من الصالحات؛ أي: على وفق الشرع، وما يكون من عند الله؛ أي: من نتائج مواهب الحق تعالى فهو من الباقيات الصالحات يدل عليه قوله تعالى:
ما عندكم ينفد وما عند الله باق
अज्ञात पृष्ठ