तारीख अल-तबरी
تاريخ الطبري
فغبر اردشير دهرا لا يولد له فدخل عليه الشيخ الأمين الذي عنده الصبي فوجده محزونا فقال ما يحزنك أيها الملك فقال له أردشير وكيف لا أحزن وقد ضربت بسيفي ما بين المشرق والمغرب حتى ظفر بحاجتي وصفا لي الملك ملك آبائي ثم أهلك لا يعقبني فيه عقب ولا يكون لي فيه بقية فقال له الشيخ سرك الله أيها الملك وعمرك لك عندي ولد طيب نفيس فادع بالحق الذي استودعتك وختمته بخاتمك أرك برهان ذلك
فدعا أردشير بالحق فنظر إلى نقش خاتمه ثم فضه وفتح الحق فوجد فيه مذاكير الشيخ وكتابا فيه إنا لما اختبرنا ابنة أشك التي علقت من ملك الملوك أردشير حين أمرنا بقتلها حين حملها لم نستحل إتواء زرع الملك الطيب فأودعناها بطن الأرض كما أمرنا ملكنا وتبرأنا إليه من أنفسنا لئلا يجد عاضه إلى عضهها سبيلا وقمنا بتقوية الحق المنزوع حتى لحق بأهله وذلك في ساعة كذا من عام كذا فأمره أردشير عند ذلك أيهيئه في مائة غلام وقال بعضهم في ألف غلام من أترابه وأشباهه في الهيئة والقامة ثم يدخلهم عليه جميعا لا يفرق بينهم في زي ولا قامة ولا أدب ففعل ذلك الشيخ فلما نظر إليهم أردشير قبلت نفسه ابنه من بينهم واستحلاه من غير أن يكون أشير له إليه أو لحن به ثم أمر بهم جميعا فأخرجوا إلى حجرة الإيوان فأعطوا صوالجة فلعبوا بالكرة وهو في الإيوان على سريره فدخلت الكرة في الإيوان الذي هو فيه فكاع الغلمان جميعا أن يدخلوا الإيوان وأقدم سابور من بينهم فدخل فاستدل أردشير بدخوله عليه وإقدامه وجرأته مع ما كان من قبول نفسه له أول مرة حين رآه ورقته عليه دون أصحابه أنه ابنه فقال له أردشير بالفارسية ما اسمك فقال الغلام شاه بور فقال أردشير شاه بور فلما ثبت عنده أنه ابنه شهر أمره وعقد له التاج من بعده
وكان سابور قد ابتلى منه أهل فارس قبل أن يفضي إليه الملك في حياة أبيه عقلا وفضلا وعلما مع شدة بطش وبلاغة منطق ورأفة بالرعية ورقة فلما عقد التاج على رأسه اجتمع إليه العظماء فدعوا له بطول البقاء وأطنبوا في ذكر والده وذكر فضائله فأعلمهم أنهم لم يكونوا يستدعون إحسانه بشيء يعدل عنده ذكرهم والده ووعدهم خيرا
ثم أمر بما كان في الخزائن من الأموال فوسع بها على الناس وقسمها فيمن رآه لها موضعا من الوجوه والجنود وأهل الحاجة وكتب إلى عماله بالكور والنواحي أن يفعلوا مثل ذلك في الأموال التي في أيديهم فوصل من فضله وإحسانه إلى القريب والبعيد والشريف والوضيع والخاص والعام ما عمهم ورفعت معايشهم ثم تخير لهم العمال وأشرف عليهم وعلى الرعية إشرافا شديدا فبان فضل سيرته وبعد صوته وفاق جميع الملوك
وقيل إنه سار إلى مدينة نصيبين لإحدى عشرة سنة مضت من ملكه وفيها جنود من جنود الروم فحاصرهم حينا ثم أتاه عن ناحية من خراسان ما احتاج إلى مشاهدته فشخص إليها حتى أحكم أمرها ثم رجع إلى نصيبين وزعموا أن سور المدينة تصدع وانفرجت له فرجة دخل منها فقتل المقاتلة وسبى وأخذ أموالا عظيمة كانت لقيصر هنالك ثم تجاوزها إلى الشأم وبلادالروم فافتتح من مدائنها مدنا كثيرة
وقيل إن فيما افتتح قالوقية وقذوقية وإنه حاصر ملكا كان بالروم يقال له الريانوس بمدينة أنطاكية فأسره وحمله وجماعة كثيرة معه وأسكنهم جندي سابور
पृष्ठ 394