तारीख अल-तबरी
تاريخ الطبري
قال وهلك دارا الأكبر وصار الملك إلى ابنه دارا الأصغر وكانت ملوك الروم تؤدي الخراج إلى دارا الأكبر في كل سنة فهلك أبو هلاي ملك الروم جد الإسكندر لأمه فلما صار الملك لابن ابنته بعث دارا الأصغر إليه للعادة إنك أبطأت علينا بالخراج الذي كنت تؤديه ويؤديه من كان قبلك فابعث إلينا بخراج بلادك وإلا نابذناك المحاربة فرجع إليه جوابه أني قد ذبحت الدجاجة وأكلت لحمها ولم يبق لها بقية وقد بقيت الأطراف فإن أحببت وادعناك وإن أحببت ناجزناك فعند ذلك نافره دارا وناجزه القتال وجعل الإسكندر لحاجبي دارا حكمها على الفتك به فاحتكما شيئا ولم يشترطا أنفسهما فلما التقوا للحرب طعن حاجبا دارا دارا في الوقعة فلحقه الإسكندر صريعا فنزل إليه وهو بآخر رمق فمسح التراب عن وجهه ووضع رأسه في حجره ثم قال له إنما قتلك حاجباك ولقد كنت أرغب بك يا شريف الأشراف وحر الأحرار وملك الملوك عن هذا المصرح فأوصني بما أحببت فأوصاه دارا أن يتزوج ابنته روشنك ويتخذها لنفسه ويستبقي أحرار فارس ولا يولي عليهم غيرهم فقيل وصيته وعمل بأمره وجاء اللذان قتلا دارا إلى الإسكندر فدفع إليهما حكمهما ووفى لهما ثم قال لهما قد وفيت لكما كما اشترطتما ولم تكونا اشترطتما أنفسكما فأنا قاتلكما فإنه ليس ينبغي لقتلة الملوك أن يستبقوا إلا بذمة لا تخفر فقتلهما
وذكر بعضهم أن ملك الروم في أيام دارا الأكبر كان يؤدي إلى دارا الإتاوة فهلك وملك الروم الإسكندر وكان رجلا ذا حزم وقوة ومكر فيقال إنه غزا بعض ملوك المغرب فظفر به وآنس لذلك من نفسه القوة فنشز على دارا الأصغر وامتنع من حمل ما كان أبوه يحمله من الخراج فحمي دارا لذلك وكتب إليه كتبا عنيفة ففسد ما بينهما وسار كل واحد منهما إلى صاحبه وقد احتشدا والتقيا في الحد واختلفت بينهما الكتب والرسائل ووجل الإسكندر من محاربة دارا ودعاه إلى الموادعة فاستشار دارا أصحابه في أمره فزينوا له الحرب لفساد قلوبهم عليه وقد اختلفوا في الحد وموضع التقائهما فذكر بعضهم أن التقاءهما كان بناحية خراسان مما يلي الخزر فاقتتلوا قتالا شديدا حتى خلص إليهما السلاح وكان تحت الإسكندر يومئذ فرس له عجيب يقال له بوكفراسب ويقال إن رجلا من أهل فارس حمل ذلك اليوم حتى تخرق الصفوف وضرب الإسكندر ضربة بالسيف خيف عليه منها وإنه تعجب من فعله وقال هذا من فرسان فارس الذي كانت توصف شدتهم وتحركت على دارا ضغائن أصحابه وكان في حرسه رجلان من أهل همدان فراسلا الإسكندر والتمسا الحيلة لدارا حتى طعناه فكانت منيته من طعنهما إياه ثم هربا
فقيل إنه لما وقعت الصيحة وانتهى الخبر إلى الإسكندر ركب في أصحابه فلما انتهى إلى دارا وجده يجود بنفسه فكلمه ووضع رأسه في حجره وبكى عليه وقال له أتيت من مأمنك وغدر بك ثقاتك وصرت بين أعدائك وحيدا فسلني حوائجك فإني على المحافظة على القرابة بيننا يعني القرابة بين سلم وهيرج ابني أفريذون فيما زعم هذا القائل وأظهر الجزع لما أصابه وحمد ربه حين لم يبتله بأمره فسأله دارا أن يتزوج ابنته روشنك ويرعى لها حقها ويعظم قدرها وأن يطلب بثأره فأجابه الإسكندر إلى ذلك ثم أتاه الرجلان اللذان وثبا على دارا يطلبان الجزاء فأمر بضرب رقابهما وصلبهما وأن ينادى عليهما هذا جزاء من اجترأ على ملكه وغش أهل بلده ويقال إن الإسكندر حمل كتبا وعلوما كانت لأهل فارس من علوم ونجوم وحكمة بعد ان نقل ذلك إلى السريانية ثم إلى الرومية
पृष्ठ 338