297

قال لهم أسا إن ربي لا يطاق إلا بالتضرع والتبتل والاستكانة قالوا فأبرز له لعله أن يجيبك فيرحم ضعفنا فإن الصديق لا يسلم صديقه على مثل هذا فدخل أسا المصلى ووضع تاجه من رأسه وخلى ثيابه ولبس المسوح وافترش الرماد ثم مد يده يدعو ربه بقلب حزين وتضرع كثير ودموع سجال وهو يقول اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط أنت المستخفي من خلقك حيث شئت لا يدرك قرارك ولا يطاق كنه عظمتك أنت اليقظان الذي لا تنام والجديد الذي لا تبليك الليالي والأيام أسألك بالمسألة التي سألك بها إبراهيم خليلك فأطفأت بها عنه النار وألحقته بها بالأبرار وبالدعاء الذي دعاك به نجيك موسى فأنجيت بني إسرائيل من الظلمة وأعتقتهم به من العبودية وسيرتهم في البر والبحر وغرقت فرعون ومن اتبعه وبالتضرع الذي تضرع لك عبدك داود فرفعته ووهبت له من بعد الضعف القوة ونصرته على جالوت الجبار وهزمته وبالمسألة التي سألك بها سليمان نبيك فمنحته الحكمة ووهبت له الرفعة وملكته على كل دابة أنت محيي الموتى ومفني الدنيا وتبقى وحدك خالدا لا تفنى وجديدا لا تبلى أسألك يا إلهي أن ترحمني بإجابة دعوتي فإني أعرج مسكين من أضعف عبادك وأقهلم حيلة وقد حل بنا كرب عظيم وحزب شديد لا يطيق كشفه غيرك ولا حول ولا قوة لنا إلا بك فارحم ضعفنا بما شئت فإنك ترحم من تشاء بما تشاء

وجعل علماء بني إسرائيل يدعون الله خارجا وهم يقولون اللهم أجب اليوم عبدك فإنه قد اعتصم بك وحدك ولا تخل بينه وبين عدوك واذكر حبه إياك وفراقه أمه وجميع الخلائق إلا من أطاعك

فألقى الله على أسا النوم وهو في مصلاه ساجدا ثم أتاه من الله آت والله أعلم فقال يا أسا إن الحبيب لا يسلم حبيبه وإن الله عز وجل يقول إني قد ألقيت عليك محبتي ووجب لك نصري فأنا الذي أكفيك عدوك فإنه لا يهون من توكل علي ولا يضعف من تقوى بي كنت تذكرني في الرخاء وأسلمك عند الشدائد وكنت تدعوني آمنا وأنا أسلمك خائفا إن الله القوي يقول أنا أقسم أن لو كايدتك السموات والأرض بمن فيهن لجعلت لك من جميع ذلك مخرجا فأنا الذي أبعث طرفا من زبانيتي يقتلون أعدائي فإني معك ولن يخلص إليك ولا إلى من معك أحد فخرج أسا من مصلاه وهو يحمد الله مسفرا وجهه فأخبرهم بما قيل له فأما المؤمنون فصدقوه وأما المنافقون فكذبوه وقال بعضهم لبعض إن أسا دخل أعرج وخرج أعرج ولو كان صادقا أن الله قد أجابه إذا لأصلح رجله ولكن يغرنا ويمنينا حتى تقع الحرب فينا فيهلكنا

فبينا الملك يخبرهم عن صنع الله بهم إذ قدم رسل من زرح فدخلوا إيلياء ومعهم كتب من زرح إلى أسا فيها شتم له ولقومه وتكذيب بالله وكتب فيها أن ادع صديقك الذي أضللت به قومك فليبارزني بجنوده وليظهر لي مع ما أني أعلم أنه لن يطيقني هو ولا غيره لأني أنا زرح الهندي الملك

فلما قرأ أسا الكتب التي قدم بها عليه هملت عيناه بالبكاء ثم دخل مصلاه ونشر تلك الكتب بين يدي الله ثم قال اللهم ليس لي شيء من الأشياء أحب غلي من لقائك غير أني أتخوف أن يطفأ هذا النور الذي أظهرته في أيامي هذه وقد حضرت هذه الصحائف وعلمت ما فيها ولو كنت المراد بها كان ذلك يسيرا غير أن عبدك زرحا يكايدك ويتناول فخر بغير فخر وتكلم بغير صدق وأنت حاضر ذلك وشاهده

فأوحى الله إلى أسا والله أعلم أنه لا تبديل لكلماتي ولا خلف لموعدي ولا تحويل لأمري فأخرج من مصلاك ثم مر خيلك أن تجتمع ثم اخرج بهم وبمن اتبعك حتى تقفوا على نشز من الأرض

पृष्ठ 310