296

فجعل زرح ينتقص أسا ويقول فيه مالا ينبغي فبلغ أسا صنيع زرح وجمعه عليه فدعا ربه فقال اللهم أنت الذي بقوتك خلقت السموات والأرض ومن فيهن حتى صار جميع ذلك في قبضتك أنت ذو الأناة الرفيقة والغضب الشديد أسألك ألا تذكرنا بخطايانا فيما بيننا وبينك ولا تعمدنا ولا تجزينا على معصيتك ولكن تذكرنا برحمتك التي جعلتها للخلائق فانظر إلى ضعفنا وقوة عدونا وانظر إلى قلتنا وكثرة عدونا وانظر إلى ما نحن فيه من الضيق والغم وانظر إلى ما فيه عدونا من الفرح والراحة فغرق زرحا وجنوده في اليم بالقدرة التي غرقت بها فرعون وجنوده وأنجيت موسى وقومه وأسألك أن تحل على زرح وقومه عذابك بغتة

فأري أسا في المنام والله أعلم أني قد سمعت كلامك ووصل إلي جؤارك وأني على عرشي وأني إن غرقت زرحا الهندي وقومه لم يعلم بنو إسرائيل ولا من كان بحضرتهم كيف صنعت بهم ولكن سأظهر في زرح وقومه لك ولمن اتبعك قدرة من قدرتي حتى أكفيك مؤنتهم وأهب لك غنيمتهم وأضع في أيديكم عساكرهم حتى يعلم أعداؤك أن صديق أسا لا يطاق وليه ولا يهزم جنده ولا يخيب مطيعه فأنا أتمهل له حتى يفرغ من حاجته ثم أسوقه إليك عبدا وعساكره لك ولقومك خولا

فسار زرح ومن معه حتى حلوا على ساحل ترشيش فلم يكن إلا محلة يوم حتى دفنوا أنهارها ومحوا مروجها حتى كان الطير ينقصف عليهم والوحش لا تستطيع الهرب منهم فساروا حتى كانوا على مرحلتين من إيلياء ففرق زرح عساكره منها إلى إيلياء وامتلأت منهم تلك الأرض جبالها وسهولها وامتلأت قلوب أهل الشام منهم رعبا وعاينوا هلكتهم

فسمع بهم أسا الملك فبعث إليهم طليعة من قومه وأمرهم أن يخبروه بعددهم وهيئتهم فسار القوم الذي بعثهم أسا حتى نظروا إليهم من رأس تل ثم رجعوا إلى أسا فأخبروه أنه لم تر عيون بني آدم ولا سمعت آذانهم مثلهم ومثل أفيالهم وخيولهم وفرسانهم وما ظننا أن في الناس مثلهم كثرة وعدة فلت من إحصائهم عقولنا وقلت من قتاله حيلتنا وانقطع فيما بيننا وبينهم رجاؤنا

فسمع بذلك أهل القرية فشقوا ثيابهم وذروا التراب على رؤوسهم وعجوا بالعويل في أزقتهم وأسواقهم وجعل بعضهم يودع بعضا ثم ساروا حتى أتوا الملك فقالوا نحن خارجون بأجمعنا إلى هؤلاء القوم فدافعون إليهم أيدينا لعلهم أن يرحمونا فيقرونا في بلادنا قال لهم أسا الملك معاذ الله أن نلقي بأيدينا في أيدي الكفرة وأن نخلي بيت الله وكتابه للفجرة قالوا فاحتل لنا حيلة واطلب إلى صديقك وربك الذي كنت تعدنا بنصره وتدعونا إلى الإيمان به فإن هو كشف عنا هذا البلاء وإلا وضعنا أيدينا في أيدي عدونا لعلنا نتخلص بذلك من القتل

पृष्ठ 309