तफ़सीर
تفسير الجيلاني
[القصص: 88].
[48.10-15]
ثم قال سبحانه بلسان الجمع على سبيل الإرشاد والتكميل: { إن الذين يبايعونك } يا أكمل الرسل، و يختارون متابعتك، ويستهدون من هدايتك وإرشادك { إنما يبايعون الله } الذي استخلفك عليهم وجعلك نائبا عن ذاته فيما بينهم، فعليهم ألا ينقضوا العهد والبيعة التي عهدوا معك، بل وكيف يسع لهم النقض مع أن { يد الله } وقبضة قدرته الغالبة { فوق أيديهم فمن نكث } ونقض البيعة والعهد مع رسوله { فإنما ينكث على نفسه } أي: ما يعود وبال نقضه إلا عليه { ومن أوفى } وحفظ { بما عاهد عليه الله } وهو معاهدتهم مع الرسول الله صلى الله عليه وسلم بخلافته صلى الله عليه وسلم عنه سبحانه { فسيؤتيه } للوفاء { أجرا عظيما } [الفتح: 10] هو الفوز بشرف اللقاء والتحقيق لدى المولى.
{ سيقول لك } يا أكمل الرسل على سبيل الاعتذار { المخلفون } أي: المنافقون الناقضون للعهود، المتخلفون عن الجهاد { من الأعراب } المجبولين على الكفر والنفاق: { شغلتنآ } عن متابعتك ومشايعتك { أموالنا وأهلونا } أي: ليس لنا متعهد سوانا؛ لذلك حرمنا عن صبحتك وعن أجر الجهاد { فاستغفر لنا } يا رسول الله عند الله حتى يغفر ما صدر عننا من التخلف، لا تبال يا أكمل الرسل بهم وباعتذارهم واستغفارهم هذا، فإنه من شدة شكميتهم وغيظهم وضعف عقيدتهم { يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم } تغريرا وتلبيسا { قل } لهم على سبيل التفضيح والتبكيت: { فمن يملك } أي: يدفع ويمنع { لكم من الله } القادر المقتدر { شيئا } من غضب الله إن { أراد بكم ضرا أو } شيئا من لطقه ورحمته إن { أراد بكم نفعا } وبالجملة: لا راد لفضله، ولا معقب لحكه { بل كان الله بما تعملون خبيرا } [الفتح: 11] يجازيكم على مقتضى خبرته.
{ بل ظننتم } أيها المتخلفون المثقلون { أن لن ينقلب } ويرجع { الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا } بل يستأصلهم العدو، فلن يرجع منهم أحد من سفرهم هذا، بل { وزين } أي: حبب وحسن { ذلك } الاستئصال وعدم الرجوع ، وتمكن { في قلوبكم و } قد { ظننتم } بزعمكم هذا { ظن السوء } بالله ورسوله والمؤمنين { و } بالجملة: { كنتم } أزلا { قوما بورا } [الفتح: 12] هالكين في تيه الجهل والعناد.
{ و } بالجملة: { من لم يؤمن بالله ورسوله } اي: لم يجمع بين الإيمان بالله وتصديق الرسول المستخلف منه سبحانه { فإنآ } بمقتضى قهرنا وجلالنا { أعتدنا } وهيأنا { للكافرين } المصرين على الكفر والتكذيب { سعيرا } [الفتح: 13] نارا مسعرة ملتهبة تحيط بهم؛ جزاء ما أوقدوا في نفوسهم نار الفتن والطغيان لأولياء الله.
{ و } كيف لا ينتقم عنهم سبحانه مع أنه { لله ملك السموت والأرض } وله التصرف فيهما بالاستقلال والاختيار { يغفر لمن يشآء } فضلا وإنعاما { ويعذب من يشآء } عدلا وانتقاما { وكان الله } المتصف بكمال اللطف والمرحمة { غفورا } لمن تاب وآمن وعمل صالحا { رحيما } [الفتح: 14] يقبل توبة التائبين، ويعفو عن زلاتهم.
ثم لما سمع المخلفون من الأعراب يوم الحديبية أن الله قد وعد المؤمنين فتح خيبر، وخص لهم الغنائم، قصدوا الخروج نحوها طامعين الغنائم؛ لذلك أخبر الله سبحانه حبيبه بقصدهم هذا، فقال: { سيقول المخلفون } المذكورات وقت { إذا انطلقتم إلى مغانم } الموعودة لكم خاصة { لتأخذوها } بفضل الله إياكم: { ذرونا نتبعكم } بغزوتكم هذه وننصركم، مع أنهم لا يقصدون الرفاقة والوفاق في نفوسهم ونياتهم، بل { يريدون } ويقصدون بقولهم هذا أن { يبدلوا } ويغيروا { كلام الله } الدال على تخصيص غنائم خيبر لمن حضر الحديبية بدل غنائم مكة.
{ قل } لهم يا أكمل الرسل على وجه التأييد في النفي: { لن تتبعونا كذلكم } أي: مثلما سمعتم { قال الله } المطلع على ما في نفوسهم من النفاق والشقاق { من قبل } أي: قبل تهيئاتكم أيها المؤمنون للخروج إلى خيبر { فسيقولون } بعدما سمعوا النهى على وجه التأييد في نفوسهم: ما أمرهم الله هذا { بل تحسدوننا } على أخذ الغنيمة؛ أي: ما حملهم على هذا النهي المؤكد المؤبد إلا الحسد والشح { بل } هم قوم جاهلون { كانوا لا يفقهون } ولا يفهمون مراد الله العليم الحكيم عن منعهم هذا { إلا قليلا } [الفتح: 15] منهم، وهم المصدقون بالله ورسوله في سرائرهم ونجواهم.
[48.16-23]
अज्ञात पृष्ठ