فقال سوفخاتب بقلق: ألا انتظرت إلى الغد لأحيط الملك علما برغبتك؟ - كلا أيها المبجل، إني أرجو أن أستعين بجلالة الملكة على تذليل العقبات التي تعترض سبيلي، فلا تضيع فرصة ذهبية، عسى أن أخدم بها مليكي ووطني.
فلم يسع سوفخاتب إلا أن يقول: سأرفع رجاءك إلى جلالتها في الحال.
وقال خنوم حتب وهو يمد له يده للمصافحة: سأنتظر رسولك.
فقال الحاجب الأكبر وهو يودعه: كما تشاء يا صاحب القداسة.
ولما خلا خنوم حتب بنفسه قطب جبينه، وأصر على أسنانه بشدة، فبدا ذقنه العريض كقبضة من الجرانيت، ومضى يذرع الحجرة ويعمل فكره. وكان لا يشك في إخلاص سوفخاتب، ولكنه كان قليل الثقة في شجاعته وعزيمته. وقد دعاه وهو يائس منه، ولكنه لم يرد أن يترك وسيلة بلا تجربة، ثم تساءل قلقا: هل تقبل الملكة رجاءه وتدعوه لمقابلتها؟! وما عساه يصنع لو رفضت مقابلته؟ إن الملكة لا يستهان بها، وعسى أن تحل العقدة المستحكمة بذكائها، فتنقذ ما بين الملك والكهنة من الانهيار والتفكك. ولا شك أن الملكة تدرك سوء تصرف الملك الشاب، وتألم له أشد الألم؛ فهي ملكة مشهود لها بالفطنة، وهي زوجة تشارك الزوجات أفراحهن وأحزانهن. أليس من المحزن أن تنزع أملاك المعابد ليبذل ريعها رخيصا تحت أقدام راقصة؟
إن الذهب يتدفق إلى قصر بيجة من أبوابه ونوافذه، ومهرة الصناع يتقاطرون عليه ويعملون ليل نهار في صنع أثاثه وحلي ربته وأثوابها. وأين .. أين فرعون؟ .. هجر زوجه وحريمه ووزراءه وقنع من الدنيا بقصر الراقصة الساحرة!
وتنهد الرجل في حزن عميق، وتمتم قائلا: ما ينبغي لمن يجلس على عرش مصر أن يلهو.
وراح في تفكيره العميق، ولكن لم يطل به الانتظار؛ إذ دخل عليه حاجبه، واستأذن لرسول آت من القصر فأذن. وانتظر الرجل في لهفة، وقد اضطربت شفتاه في تلك اللحظة الفاصلة على قوة إرادته وصلابة أعصابه، ودخل الرسول، وأحنى رأسه محييا، وقال باقتضاب: إن حضرة صاحبة الجلالة تنتظركم يا صاحب القداسة.
وحمل من فوره إضمامة الالتماسات، وذهب إلى عجلته التي طارت به إلى القصر، وما دار له بخلد أن يأتيه الرسول بهذه السرعة؛ فلا شك أن الملكة تكابد حزنا وقلقا، وتعاني من الآلام في وحدتها الموحشة، ولا شك أنها تتصبر على الإهانة والحرمان قابعة في سياج قاس من الكبرياء والصمت، إنه يحس أنها من رأيه، وأنها ترى الأمور بالعين التي يراها الكهنة والعقلاء جميعا. وعلى أية حال فسيؤدي واجبه، ولتقض الآلهة أمرا كان مفعولا.
وبلغ القصر، وقصد توا إلى جناح الملكة، ولم يلبث أن دعي إلى مقابلة جلالتها في بهو استقبالها الرسمي. وأدخل البهو فاتجه نحو العرش، وأحنى هامته حتى مست جبهته حاشية ثوبها الملكي، وقال بإجلال عميق: السلام على مولاتي نور الشمس وبهاء القمر.
अज्ञात पृष्ठ