وغضبت رادوبيس حتى تخضب وجهها بالاحمرار، وصاحت بها: خسئت يا امرأة .. أنا لا أتجر الآن. - ويل لي .. لو كانت لدي شجاعة يا مولاتي لسألتك عما تفعلين إذن.
فتنهدت رادوبيس وقالت: أمسكي عن هذرك، ألا ترين أني أجد في الأمر جدا؟
فحملقت الجارية في وجه مولاتها الجميل، وصمتت دقيقة ثم قالت: باركتك الآلهة يا مولاتي .. إني حائرة وأسائل نفسي: لماذا تجد مولاتي جدا؟
فتنهدت رادوبيس مرة أخرى، واستقلت على الديوان الوثير، وقالت بصوت خافت: أحببت يا شيث.
فضربت الجارية على صدرها بيدها، وقالت بفزع ودهشة: أحببت يا مولاتي؟! - نعم أحببت، ما لك تدهشين؟ - معذرة يا مولاتي، هذا زائر جديد لم أسمع باسمه يجري لك على لسان من قبل .. فكيف جاء؟
فابتسمت رادوبيس وقالت كالحالمة: ما الداعي إلى العجب؟ امرأة تحب، يا لها من حقيقة مبتذلة!
فأشارت المرأة إلى قلب مولاتها، وقالت: أما هنا فلا، عهدي به حصنا منيعا، فكيف أخذ .. ألا بالله قولي لي.
وبدت في عينيها الأحلام، وبعثت الذكرى في نفسها شعورا فياضا، فقالت بصوت كالهمس: أحببت يا شيث، والحب شيء عجيب، في أي دقيقة من الزمان طرق الحب قلبي؟ كيف تسلل إلى أعماق نفسي؟ لا علم لي بذلك، وإنه ليحيرني حيرة شديدة، ولكني عرفت الحقيقة بقلبي، لقد خفق بشدة وعنف، خفق لرؤية وجهه، وخفق لسماع صوته، وما كان عهدي به أن يخفق لشيء من هذا، فوسوس لي صوت خفي، بأن هذا الرجل صاحب هذا القلب دون منازع، فغمرني إحساس قوي عنيف عذب أليم، وشعرت شعورا وثابا بأنه ينبغي أن يكون لي كقلبي، وأن أكون له كنفسه، ولم أعد أتصور أن تطيب حياة، ويلذ وجود بغير هذا الامتزاج.
فقالت شيث لاهثة: يا للحيرة يا مولاتي! - نعم يا شيث. طالما تمتعت بالحرية المطلقة، كنت أتخذ مجلسي على ربوة عالية وأسرح ناظري في عالم واسع غريب، وأسامر عشرات الرجال، وأتذوق متع الأحاديث، وأتملى آيات الفن، وألهو بالمجون والغناء، ولكن كان يرين على صدري سأم لا شفاء له، وتغشى نفسي وحشة لا طمأنينة معها. الآن يا شيث ضاقت آمالي، وانحصرت في رجل واحد هو مولاي، وهو دنياي، ولكن دبت حياة دافقة طردت من طريق حياتي السأم والوحشة، وأفاضت عليه نورا وبهجة، فقدت نفسي في الدنيا الواسعة، ووجدتها في رجلي الحبيب .. أرأيت ما هو الحب يا شيث؟
فهزت الجارية رأسها في حيرة، وقالت: يا له من أمر عجيب كما تقولين يا مولاتي! .. ولعله أعذب من الحياة نفسها! وإني أسائل نفسي عما أحس به من الحب، إن الحب كالجوع، والرجل كالطعام .. وإني أحب من الرجال قدر ما أحب من الأطعمة دون حيرة .. وحسبي هذا.
अज्ञात पृष्ठ