ويقال لهم: ألستم تقولون: إن الله بكل مكان (¬1) ، والجسم في مكان؟ وأنتم لم تجدوا فاعلين في مكان واحد على جهة التمكن، ووجدتم على ذلك وجهين مختلفين: أحدهما بالتدبير والآخر بالحلول، وإنما جاز هذا فيهما لما ذكرنا من اختلاف وجودهما في المكان، فإذا جاز أن يكون في مكان واحد فاعلان على وجهين مختلفين: أحدهما قديم والآخر محدث، فلم لم يجز مثل ذلك في المحدثين؟ وإنما تتفق الأحكام إذا اتفقت العلل، وأما إذا اختلفت فلا.
بعد فلم جعلتم استحالة فعل واحد من فاعلين على جهة واحدة دليلا على استحالة فعل واحد من فاعلين على جهتين مختلفتين؟ وأما قولهم: لو جاز أن يكون فعل واحد من فاعلين لجاز أن يكون قول واحد من قائلين، فإنه مثل ما مضى في الفساد، والحكم بغير حجة؛ وذلك أن القائل سمي قائلا لأحد معنيين: إما أن يكون مبتدئا للقول أو حاكيا له، فمن ابتدأ القول سمي قائلا، واحدا كان أو أكثر، ومن حكاه سمي قائلا حاكيا، واحدا كان أو أكثر، أو يكونوا ذهبوا في قولهم قولا من قائلين إلى ما يحل القائلين من القول الذي هو فعلهم، فقد أخبرنا بداء أن الأجسام لا تتعداها أفعالها فتحل في غيرها، فيكون ذلك الغير موصوفا بها، وليس يوجد في هذه المسألة أكثر من هذا إن شاء الله.
¬__________
(¬1) المكان عند الحكماء: هو السطح الباطن من الجسم الحاوي، المماس للسطح الظاهر من الجسم المحوي. وعند المتكلمين: هو الفراغ المتوهم الذي يشغله الجسم وينفذ فيه أبعاده.
والمكان عند المحدثين: وسط مثالي غير متداخل الأجزاء، حاو للأجسام المستقرة فيه، محيط بكل امتداد متناه. راجع رسالة الحدود 94، وتعريفات الجرجاني 203.
पृष्ठ 34