تولى فؤاد الأول هذه الأريكة والحرب العالمية الأولى ما زالت قائمة، ثم كانت الاضطرابات في مصر وفي بعض أنحاء العالم، ولم تكن هناك أمة تعرف مصيرها أو تتكهن بما تأتي به الأيام، فاضطلع - رحمه الله - بمهام الحكم والسلطان في ذلك الوقت العصيب، وقبض بيد حكيمة على أزمة البلاد، وساعدته مواهبه الفطرية، وثقافته الواسعة المتنوعة في قيادة أمته قيادة حازمة في كل ناحية من نواحي نهضتها السياسية والعلمية والعمرانية.
وكانت المسألة المصرية أهم ما يشغل جلالته، وكان موقفه فيها موقف القائد المرشد الذي يوجه توجيها صالحا، ويؤثر الروية وانتهاز الفرص لتحقيق مطالب الأمة، وقد انتفعت أنا وثروت باشا بإرشاداته وحسن توجيهاته السديدة في تصريح 28 فبراير سنة 1922، الذي كان متتبعا لأدواره منذ بدأ حتى انتهى.
وقد مرت به أزمات كثيرة، فكان يلقاها على الدوام بصبر وثبات، ونفس قوية لا تعرف اليأس والملل، وكان أحسن مثل في التفاؤل والأمل بالمستقبل، غير أنه كان كثير التأثر لما يصيب بلده من متاعب، وكان يضيق بمواقف رجال السياسة المصريين إذا ما آنس منهم الجنوح إلى الاشتغال بمجد الأشخاص بلا فائدة لمصر، وكذلك عندما كان يرى أحقاد البعض تسيطر على موقفه من المسائل الكبرى.
وأذكر بهذه المناسبة أن ولاية العرش لم تكن مما يحرص عليه لخدمة نفسه أو لمنفعة شخصية، حتى إنه مكث مدة في سراي البستان التي كان يقيم بها أيام إمارته، وقبل أن يصبح سلطانا وملكا، ولم يكن ينتقل إلى عابدين إلا للأعمال الرسمية، وكنت أتحدث إليه في ذلك، فكان يقول: إنني أحب أن أبقى حيث أنا حتى إذا لم أنجح في خدمة بلادي تخليت عن العرش!
الملك فؤاد وكرامة العرش
وكان الملك فؤاد وطنيا صميما متعصبا لوطنه ولمصريته، مع أنه عاش طويلا في الخارج، وأعجب بحضارة البلاد الغربية، ولكن إعجابه كان مقصورا على رغبته في الإفادة من حضارة الغرب بما يدفع مصر خطوات في طريق الرقي والنجاح.
وكان إلى سماحة نفسه ونزاهته وتواضعه الكبير، عظيم الترفع عن الصغائر، حريصا على المحافظة على كرامته وكرامة العرش؛ لأنه كان يرى العرش رمزا لعظمة الأمة ومجدها ، فكان ينأى به عن أن يمسه شيء من قريب أو بعيد خصوصا في بلد شرقي.
وكان الحكم في نظره ينبغي أن يبنى على العلم والعرفان، وقد عنى منذ كان أميرا بتقدم مصر العلمي، ووقف جهوده على ترقية الحياة العقلية للأمة، ولما تولى العرش اهتم بالجامعة المصرية - التي كان رئيسها والعامل الأول لرقيها - فيما اهتم به من جلائل الأعمال، ونقلها إلى الحكومة وأصبحت من كبريات الجامعات، كما اهتم بالجمعيات العلمية، فأحيا الجمعية الجغرافية وجدد نشاطها، وتأسست من جديد جمعية الاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، وأنشأ معهد الأحياء المائية، وأنشأ متحف فؤاد الصحي، ومعهد البحوث الصحراوية، وأمر - رحمه الله - بإنشاء مجلس الأبحاث، الذي تم تأليفه بعد وفاته، وأسندت إلي رئاسته بأمر من نجله الملك فارق الأول.
وأذكر أنه دعاني لزيارة المتحف الزراعي ببودابست عاصمة المجر، وهو أعظم متحف من نوعه في العالم، وأحب أن يكون في مصر متحف على مثاله، فصدعت بأمره، وزرت هذا المتحف، ولما عدت عملت على تحقيق رغبة جلالته بإنشاء متحف فؤاد الزراعي على غرار هذا المتحف العظيم.
وقد كان للملك فؤاد من الأثر العمراني ما نهضت به الحياة الاقتصادية والعمرانية في مصر، فقد اهتم جلالته برقي الصناعة والزراعة، فأنشئت في عهده: وزارة التجارة والصناعة لمساعدة المنتجين، وتشجيع الصناع والأخذ بيدهم؛ لتبلغ الصناعات الوطنية المكانة، التي بلغتها صناعات الأمم الراقية، وقد تألف في عهده وبإرشاده الاتحاد المصري للصناعات، وتأسيس بنك التسليف الزراعي، وكان هذا البنك رحمة للمزارعين المصريين، وتقدمت أنواع الزراعات المصرية في عهد الملك فؤاد، وتألفت الجمعيات التعاونية، إلى غير ذلك مما كان له أكبر الأثر في التقدم الاجتماعي والاقتصادي بمصر.
अज्ञात पृष्ठ