मुअस्सिस मिस्र हदीथा
الاتجاه السياسي لمصر في عهد محمد علي: مؤسس مصر الحديثة
शैलियों
64
ولكن القنصل الفرنسي لم يتنبه إلى الجانب الأدبي للمأساة إلا بعد أن اجترأ ميسيت على ضم تهانئه إلى جانب تهاني الفرنسيين، وإلا بعد أن تبين أن مركز الإنجليز بدلا من أن يسوء قد أخذ يتحسن باطراد، ومن ثم أخذ القنصل الفرنسي المذكور يصف ما اتخذ أخيرا من الإجراءات ضد المماليك بأنها إجراءات شريرة ولا مسوغ لها.
وقد أراد البعض التخفيف من شأن هذه المذابح بأمرين؛ الأول: أن البكوات تآمروا فيما بينهم على خلع محمد علي. والثاني: أن ديوان الآستانة هو الذي حرضه على ارتكاب تلك الفعلة. وقد يكون كلا السببين صحيحا، ولكن السبب الحقيقي يختلف بلا جدال عن ذلك؛ فلقد كانت سلطة الباشا ما تزال مزعزعة، ثم إنه كان قد طلب إليه مرات عديدة أن يذهب على رأس حملة لتوطيد الحالة في بلاد العرب، فلم يكن يعقل طبعا أن يضعضع قوته ويترك للمماليك الفرصة للتغلب عليه.
وليس من شك في أن الباعث الذي دفع تيمور لنك إلى التخلص من أسراه بقتلهم أمام أبواب دلهي هو نفسه الذي دفع محمد علي إلى قتل المماليك، ثم إنه لا يوجد ما يدعو إلى الظن في أنه يتردد في تنفيذ نيته بمجرد اقتناعه بأن مركزه محفوف بالخطر، على أنه - والحق يقال - لم يكن من أولئك المتعطشين للولوغ في الدماء، كما أنه لم يكن ممن يعمد إلى القتل حبا في القتل، ولكنه من الجانب الآخر لم يكن مدفوعا بعاطفة الرقة حيال الحياة الإنسانية التي بدأت تعم بلاد العرب في إبان القرن الغابر، بل كان يرى أسبابا عديدة تسوغ القتل تمام التسويغ، ولم يكن اعتقاده هذا بالشيء الغريب؛ فإن كل من غشي ديوانه من الأصدقاء أو الرفقاء أو الضباط أو الرؤساء كان لا بد أن يرمي محمد علي بقصر النظر لو أنه رأى غير ذلك الرأي. وفي العام التالي تمكن جلال الدين - حاكم حلب - من إطاحة رءوس زعماء الإنكشارية جملة واحدة.
65
فكل ما فعله محمد علي هو أنه كان موفقا التوفيق كله فيما عجز قبطان باشا عن فعله من سنوات.
وليس ثمة ما يمكن إضافته بعد ذلك إذا نظرنا إلى المسألة من ناحية الأخلاق التركية. وبديهي أن وجهة نظر محمد علي وآراءه كانت كلها تركية تماما، ولم يكن يعقل أن تكون عدا ذلك، فإن مولده ونشأته وتجاريبه في الحياة، كل هذه العوامل أدت إلى إخراج رجل قوي الشكيمة لا يدركه الوهن دون غاية من الغايات . وليس وجه الغرابة في أن محمد علي قد أسس ملكه كما يؤسسه التركي، بل في قدرته - على عكس أي تركي آخر في زمنه - على التطور وامتصاص الآراء الجديدة وتحويرها؛ لتكون ملائمة لمختلف الظروف والملابسات الحديثة. وقد كشفت له عيناه الثاقبتان عن مواطن الضعف الأساسية في بناء الحكم الشرقي الحاضر، وكانت توجد إلى جانب سعيه المتواصل لوضع أسس سياسية حكيمة لتوطيد مركزه وتأمين مركز ذريته في المستقبل قوة كامنة غريبة وشعور بالقوى التي تبنى بها الدولة أو تكون سببا في انهيارها وخرابها، ومقدرة على مواصلة الكفاح للتحسين، وعين يقظى تنظر إلى مساوئ الأداة الإدارية. وهي صفات لم تجتمع لحاكم شرقي من أيام أكبر عاهل المغول. وفي الواقع فإن حكمه يعتبر بمثابة نقطة تحول لا في تاريخ مصر وحدها بل في تاريخ الشرق الأدنى بأسره؛ فلقد كان في طليعة معاصريه في تطبيق الأفكار السياسية الغربية على شئون الشرق.
الفصل الثاني
عماد الإمبراطورية
بلاد العرب والسودان
अज्ञात पृष्ठ