239

مع المشككين في السنة

مع المشككين في السنة

संपादक

فاروق يحيى محمد الحاج

शैलियों

فهل هؤلاء الصحابة الأجلاء ﵃ كانوا يفعلون ما يخالف الآداب السامية والأخلاق النبيلة؟ حاشاهم وكلا.
ثانيًا: استدل صاحب الرسالة على إبطال حديث حذيفة ﵁ وردِّه بأدلة سمعية، وأورد ستة أحاديث قال عنها: "إنها جاءت ناسفة له"، يعني: لحديث حذيفة ﵁ في بول النبي ﷺ قائمًا.
وأنا بعون الله أوردها حديثًا حديثًا، وأبيِّن ما فيها؛ ليتضح الحق لطالبه ويستنير الطريق لسالكه:
١ - عن عائشة ﵂ قالت: (مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ، مَا كَانَ يَبُولُ إِلَّا قَاعِدًا) (^١).
وهذا الحديث -كما بينت في تخريجه- أخرجه: ابن ماجة والترمذي والنسائي، كلهم من طريق المقدام بن شريح بن هانئ عن أبيه عن عائشة ﵂.
وهذا الحديث مختلف في صحته، فقد ضعَّفه الترمذي كما هو واضح من عبارته: هو «أحسن شيء في الباب وأصح». وضعَّفه كذلك العراقي والسيوطي وغير واحد من المتأخرين، كما نقله عنهم الألباني (^٢)؛ لأن في بعض طرقه شريك بن عبد الله القاضي، وهو سيء الحفظ عند أهل العلم، لكن تابعه سفيان الثوري عند أبي عوانة وغيره. ويكون الحديث بهذه الطريق صحيحًا، وهو ما جزم به النووي والذهبي وابن حجر، ورجحه الألباني أخيرًا (^٣).
فحديثٌ بهذه الصورة ليس له إلا طريق واحد -هو طريق المقدام بن شريح- إضافة إلى وجود الاختلاف فيه -كما سبق- يقول عنه صاحب الرسالة: "إنه متواتر"! فهل المتواتر عند أهل العلم هو الذي يرويه شخص واحد أم إنه الذي يرويه عدد كثير تحيل العادة تواطؤهم على الكذب عن مثلهم من أول السند إلى منتهاه؟ هذه إحدى طامَّاته.
وطامة أخرى أشد منها تمس صحابيًا كبيرًا استأثره النبي ﷺ بمعرفة المنافقين، وأعلمه بما كان وما يكون إلى يوم القيامة، كما في "صحيح مسلم" (^٤)، وهو حذيفة بن اليمان ﵁ صاحب سرِّ رسول الله ﷺ، وقال عنه ما يلي: «ومن حدَّث أنه بال قائمًا فقد جرَّحَتُهُ -أي: عائشة ﵂، ولا يمكن للسيدة عائشة ﵂ أن ترمي غيرها بالكذب بأمرٍ لم تعلمه، فهي زوج الرسول وتعرف ما تقول».

(^١) سنن ابن ماجة، كتاب الطهارة وسننها، باب في البول قاعدًا (١/ ١١٢)، رقم (٣٠٧)، وسنن الترمذي، أبواب الطهارة، باب النهي عن البول قائمًا (١/ ١٧)، رقم (١٢)، وسنن النسائي، كتاب الطهارة، البول في البيت جالسًا (١/ ٢٦)، رقم (٢٩). وقال الترمذي: «حديث عائشة أحسن شيء في الباب وأصح». وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن ابن ماجة للألباني (١/ ١١٥)، رقم (٢٥٢).
(^٢) السلسلة الصحيحة للألباني (١/ ٣٩٢).
(^٣) المصدر السابق (١/ ٣٩١ - ٣٩٣).
(^٤) رواه مسلم في الفتن، باب إخبار النبي ﷺ فيما يكون إلى قيام الساعة، رقم (٧١٩١).

1 / 240