حرام عليكم أيها الناس أن تحرصوا على «ألفاظ» حتى إن كان الثمن ألوف الألوف من الشباب الفتي الحالم الآمل، فهاتيك الألفاظ موجات صوتية ضئيلة، أو هي قطرات من مداد سكبناها على الورق في صورة معينة، أما هؤلاء الشباب فأفراد أحياء في أجوافهم قلوب ورئات ودماء وأعصاب! •••
لا عجب والله إن كانت للألفاظ قوة السحر عند الشعوب البدائية الأولى، فهذه اللفظة تشفي من الحمى، وتلك اللفظة تهزم العدو في القتال، إلى آخر ما كان سائدا بين تلك الشعوب من أحلام وأوهام.
اعلم أفادك الله أن اللفظة من ألفاظ اللغة إذا لم تدلك على مسمى تراه بعينيك فهي لفظة فارغة، هي موجة صوتية كأي اهتزاز آخر يهتز به الهواء، أو هي نبش على الورق كأي نبش يحدثه الطفل اللاهي، فاسأل - إذا أردت الفهم والتفاهم - عن الشيء أو الأشياء التي يراد للفظة المستعملة في الحديث أن تشير إليها، فإذا وجدتها فالخلاف بينك وبين خصمك لن يطول، وإلا فسيظل الخلاف في الرأي قائما إلى يوم الدين.
فما أكثر ما يطول النقاش بين فريقين حول كلمة، كالحرية مثلا أو كالديمقراطية أو الدولة أو الأمة، وتكون علة الخلاف بينهما هي أن كلا منهما يقصد بالكلمة إلى معنى غير المعنى الذي يقصد بها إليه زميله، فإذا جعلنا دستورنا في الفهم والتفاهم هو تحديد المسميات أولا؛ المسميات التي نراها بالأعين ونحسها بالأيدي، انحصر مجال الخلاف وقصر أمده كما هي الحال بين رجال العلوم مثلا.
والكارثة الحقيقية في أمثال هذا الخلاف الذي قد يؤدي إلى حرب وسفك دماء، أن يقوم الخلاف على لفظة فارغة زائفة إن بحثنا لها عن مدلول في عالم الأشياء لم نجد شيئا.
راجع التاريخ في ضوء هذا الكلام، وانظر كم أودت الألفاظ الزائفة بأنفس البشر هباء! فكلمة «جهاد» وحدها مسئولة عن سفك أنهر من الدماء لا يعلم إلا الله مداها، ولسنا بطبيعة الحال ننكر استعمال هذه الكلمات وأمثالها، لكن الذي ندعو إليه هو أن يكون المتكلم والسامع على بينة مما تشير إليه كل كلمة من تفصيلات في عالم الأشياء الواقعة. قل للشباب بملء فيك: جاهدوا في سبيل الحرية، على شرط أن تكون أنت، وأن يكون الشباب على علم تام بالتفصيلات التي نطلق على مجموعتها كلمة «جهاد»، وبالتفصيلات التي نطلق على مجموعتها كلمة «حرية»، فعلينا منذ الآن بالتفرقة الدقيقة بين الألفاظ الحقيقية والألفاظ الزائفة كلما أردنا الجد في الكلام والكتابة، وليسمح لي القارئ أن أعيد هنا ما قلته في كتابي المنطق الوضعي في هذا الصدد، لعله يفيد: «الفرق بين اللفظة الحقيقية واللفظة الزائفة هو أن الأولى وراءها «رصيد» من المسميات الجزئية، وأما الأخرى فليس وراءها شيء يشار بها إليه، فما أقرب الشبه بينهما وبين الورقة النقدية الحقيقية بالقياس إلى الورقة النقدية الزائفة! فهاتان قد تكونان في الصورة الظاهرة متساويتين، لكن الأولى حقيقية لأن هنالك «رصيدا» من الذهب أو ما إليه يجعل لها قيمة «فعلية»، وأما الورقة الزائفة فليس وراءها مثل ذلك «الرصيد»؛ ولذا فهي لا تشير إلى شيء وراءها من محفوظات «البنك» مما يجعل لها قيمة حقيقية. «إن الكلمة لا ينفي عنها الزيف طول أمد استعمالها في التفاهم بين الناس ، فإذا مضينا في تشبيهنا الألفاظ الزائفة بالنقد الزائف، قلنا إن اللفظة الزائفة التي طال أمد استعمالها بين الناس حتى ظنوا أن لها معنى، شبيهة بظرف مقفل ليس بداخله شيء، لكنه دار بين الناس مدة طويلة على زعم وهمي، وهو أن فيه ورقة من أوراق النقد، فظلت له هذه القيمة في التعامل، حتى تشكك في أمره متشكك، وفتحه ليستوثق أن له قيمته المزعومة، فلم يجد شيئا، بل وجده فارغا ولا «قيمة» له.»
وهكذا قف إزاء الكلمات التي تراها مكتوبة أو تسمعها منطوقة، وانظر في عالم الأشياء المحسوسة باحثا عن «رصيدها» فإن وجدتها كانت الكلمة ذات معنى وصالحة للتفاهم، وإلا فهي فارغة زائفة، بل هي مجرمة آثمة.
مهمة الكاتب
اللهم إني كفرت بالأقلام تكتب بالمداد، فمن لنا بعشرة آلاف قلم تنفث من أسنانها الحمم، لعلها تلسع الجلود فتوقظ الرقود من سباتهم العميق، وتحفز الوقوف إلى الحركة والسير، وتستحث السائرين ليسرعوا الخطى، عسى أن ندرك الركب، فقد بعدت المسافة جدا بين الرأس والذنب.
كفرت بالأقلام تكتب بالمداد؛ لأن الكتاب عندنا قد ظلوا يكتبون ويكتبون، ولم يزل الناس على حالهم غرقى في أوهاهم، فمهما وجهنا اللوم إلى كبار كتابنا على ممالأتهم الناس في كثير مما كتبوه، حين جعلوا يمجدون لهم أمجادهم ويترنمون لهم بالأنغام التي تصادف هوى في نفوسهم، فلا بد لنا إلى جانب اللوم أن نعترف لهم بالفضل في محاولتهم تغيير كثير من القيم السائدة، التي أصبح قيامها محالا بين شعب أراد أن يتحضر، فمنذ ثلث قرن أو يزيد، أخذ كبار كتابنا ينقلون إلينا معايير جديدة للأخلاق ونظم الحكم والتربية، ويعلموننا مقاييس جديدة نقيس بها الآداب والفنون، ويلفتون أنظارنا إلى القواعد الصحيحة التي ينبغي أن نحكم بها على الأشياء في هذا العصر الحديث. كتبوا وكتبوا، وما يزال الناس على حالهم فيما أرى، حدث تغير طفيف في القشرة، أما اللباب فهو هو كما كان منذ قرون.
अज्ञात पृष्ठ