ज्ञान का नक्शा
خريطة المعرفة: كيف فقد العالم أفكار العصر الكلاسيكي وكيف استعادها: تاريخ سبع مدن
शैलियों
9
على ضوء هذا، ليس ثمة مفاجأة في انغماس جيسكارد في مهمة إخضاع وتوحيد جنوب إيطاليا، بالإضافة إلى غزو صقلية، إلى جانب أخيه، روجر هوتفيل. وبعد أن استولى روبرت على ساليرنو، آخر مدينة مستقلة باقية على يابسة الجنوب الإيطالي، اتخذ منها عاصمة له وشرع في بناء كاتدرائية جديدة، بمساعدة ألفانو، الذي كان قد ساند غزوه.
سيطر النورمان على جنوب إيطاليا طوال المائة سنة التالية، محدثين بذلك تحولا هائلا في توازن القوى في أوروبا، ومشكلين روابط قوية بين جنوب القارة وبلدانهم الأصلية في الشمال، التي بقوا على اتصال وثيق بها. عين جيسكارد وأخوه روجر (الذي صار حينذاك حاكما لصقلية، ولكنه لا يزال تابعا اسميا لروبرت) رفاقهم من النورمان من إنجلترا وفرنسا في مناصب في الكنائس الإيطالية والصقلية، بينما مضى رجال الدين الجنوبيون إلى الدراسة في أديرة مثل بيك في نورماندي. وانعكس ذلك على بلاط الملوك، فسافر جون سالزبري أكثر من مرة إلى جنوب إيطاليا لدراسة اللغة اليونانية والفلسفة، وذهب باحثون آخرون للدراسة في باليرمو. وفي ساليرنو، يوجد أسماء إنجليزية عديدة في قوائم المخطوطات للأطباء الذين درسوا هناك.
10
وكان أمرا طبيعيا أن انفتحت أيضا روابط التجارة؛ إذ يوجد سجلات لتاجر إنجليزي واحد في ساليرنو، وزار تاجر من برينديزي مزار القديس توماس بيكيت في كانتربري، الذي كان قد أضيف قبل ذلك بفترة قصيرة إلى تقويم القديسين في جنوب إيطاليا. وكفلت الصلات أيضا تدفق الكتب، وسرعان ما جمعت تراجم قسطنطين معا في مجموعات كي يسهل استخدامها، فانتقلت شمالا عبر شبه الجزيرة الإيطالية، فوق جبال الألب، وعبر غابات فرنسا البرية، بل حتى عبر البحر الرمادي المضطرب إلى إنجلترا. نقش النساخ، المنكفئون على الطاولات في الضوء الأصفر المهتز للهب الشموع المصنوعة من الشحم، نسخا وضعت في خزائن المكتبة واستخدمت بوصفها كتبا دراسية لتدريس الطب في الجامعات.
بعد مرور بضعة عقود على الدخول المظفر لجيسكارد إلى ساليرنو، تحسن وضع النورمان مع مغادرة آلاف الرجال شمال أوروبا صوب الأرض المقدسة في الحملة الصليبية الأولى، مع كون صقلية وجنوب إيطاليا محطتي توقف طبيعيتين في مسار الرحلة المتجهة إلى الشرق. لم يكن من قبل ثمة ترحال بهذا الحجم الكبير منذ أيام السلام الروماني. كانت الحملة الصليبية جزءا من التحول الجذري نفسه الذي كان قد شهد النفوذ المسيحي يتحرك جنوبا في المناطق الإسلامية التقليدية في إسبانيا، تحول كان له أثر عميق وحاسم على الثقافة والسياسة والمجتمع. كان العالم الأوروبي ينفتح، ويستعرض عضلاته. وأحدثت الحملة الصليبية هي الأخرى تغييرات في ساليرنو. فقد تلقى مئات من الرجال الجرحى العائدين من الأرض المقدسة العلاج هناك في طريق عودتهم إلى ديارهم؛ مما عزز سمعة المدينة من حيث كونها مركزا للتميز في الطب.
شكل 6-2: روبرت الثاني دوق نورماندي يتلقى العلاج في ساليرنو من الإصابات التي لحقت به وهو يقاتل في الحملة الصليبية الأولى.
مات قسطنطين في وقت ما في الأعوام الأخيرة من القرن الحادي عشر، في مونتيكاسينو. وبعد وفاته، واصل تلاميذه في الدير، جون أفلاسيوس وأزو، عمله في قاعة النسخ ، وساعدا على ترويج تراجمه والتراجم التي قدماها بنفسيهما، في العالم الأوسع، وكتبا أطروحات طبية خاصة بهما. أنهى أفلاسيوس ترجمة كتاب «الكليات» وأرسل نسخا منه، ومن كتاب «إيساغوجي» وترجمات أخرى إلى ساليرنو، حيث بدأ باحثون ، في أوائل القرن الثاني عشر، كتابة تعليقات وأدلة تعليمية على هذه النصوص. كانت مجموعة «أرتيسيلا» تتطور متحولة إلى مجموعة منظمة من الكتب الدراسية المخصصة للتدريس؛ وبمرور الوقت، أضيفت إلى مراكز أخرى للتعليم ونقلت إليها. ففي عام 1161، على سبيل المثال، كان لدى أسقف هيلدسهايم ستة وعشرون كتابا دراسيا في مكتبته؛ أغلبها كان تراجم لقسطنطين. في الوقت نفسه، تجدد الاهتمام بجهد أرسطو، ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى جهد شخص واحد هو أرسو، وهو باحث من ساليرنو. من شأن إصرار أرسطو على الملاحظة السليمة للعالم الطبيعي، وعلى التجريب والتفكير النقدي أن يكون له تأثير عميق على كل جوانب الحياة الفكرية تقريبا، ولم يكن تدريس الطب استثناء من هذا. فمع ظهور الجامعات في كل أنحاء أوروبا، ارتقت دراسة الطب تدريجيا لتصبح فرعا نظريا أكاديميا، وجزءا من المنهج الدراسي للفنون الحرة، بالتكامل مع الفلسفة الطبيعية الأرسطية واستنادا إلى أسس نصية سليمة.
في ساليرنو، وغيرها من المدن، بدأ معلمو الطب، يحذون حذو جالينوس، في التركيز على مسببات الأمراض واستخدموا اكتشافاتهم لتحديد نوع العلاج الذي ينبغي عليهم وصفه. كانت طريقة جديدة تماما في دراسة المرض. في السابق، كان المرض يعزى إلى غضب الرب، أو أن أرواحا شريرة استحوذت على المريض؛ وهي أفكار أعاقت الملاحظة العقلانية والاستقصاء المنطقي. لم يعد الطب مجرد فن آلي، يقتصر على الممارسة؛ فحينذاك أصبح بمقدوره أن يأخذ مكانه إلى جانب العلوم الطبيعية الأخرى. مع ازدياد المؤلفات الطبية لتشمل كتبا دراسية تحليلية - للتعليم والدراسة، بدلا من الأدلة المرجعية البسيطة التي كانت موجودة في الحقبة الماضية - فأصبحت فرعا منظما متسقا من فروع العلم، يستند على مجموعة معترف بها عالميا من المراجع والأفكار؛ أفكار من شأنها أن تتغير مع ترجمة نصوص جديدة والتوصل إلى اكتشافات جديدة. بمرور الوقت، بدأ إدراج بعض من تراجم قسطنطين الأخرى في مجموعة «أرتيسيلا»، وتنامت الدراسة الطبية وازدهرت. وهذا بدوره أحدث تأثيرا في مكانة ممارسي الطب، الذين تمايزوا تمايزا متزايدا بين متعلمين وغير متعلمين. فنشأ نظام رسمي للتأهيل، يلزم الطلاب باتباع المنهج المحدد في مجموعة «أرتيسيلا». كانت دراسة الطب تستغرق سنين عديدة، وكان عدد الطلاب الذين يستكملون المنهج محدودا نسبيا. بحلول منتصف القرن الثالث عشر، كان على الطلاب أن يدرسوا المنطق لثلاثة أعوام قبل أن يسمح لهم أن يبدءوا منهجا دراسيا مدته خمسة أعوام. وبعد ذلك، كان عليهم أن يكملوا عاما من الدراسة العملية مع طبيب مؤهل. حينئذ فقط يمكنهم أن يتقدموا إلى الامتحان ويحصلوا، حال نجاحهم، على ترخيص رسمي بالممارسة. ازداد عدد الأطباء نوعا ما بالفعل، ولكن كان بإمكان قلة قليلة فقط من صفوة أهل المدن الحصول على خدماتهم؛ لذا استمر غالبية الناس في الاعتماد على العلاج بالأعشاب ونصائح الممارسين المحليين غير الدارسين.
كانت مجموعات من هذه العلاجات، المعتمدة في الأصل على كتاب ديسقوريدوس «عن المواد الطبية»، متداولة لقرون، ويضاف إليها وتعدل لتناسب احتياجات كل من كان يستخدمها. في ساليرنو في القرن الثاني عشر، كانت تستخدم نسختان رئيسيتان، عادة ما تجدهما معا في المخطوط نفسه؛ الأولى تحمل اسم «سيركا إنستانس»، وكانت على طريقة كتاب «عن المواد الطبية» وتركز على «الأعشاب الطبية»، أو علاجات، تصنع من مادة واحدة فقط، وأما النسخة الثانية فكانت تدعى «أنتيدوتاريوم نيكولاي» أو «الأقراباذين»، وهي عبارة عن مجموعة غير محددة المعالم من الوصفات لأدوية مركبة تحتوي على العديد من المكونات. يصف كتاب «سيركا إنستانس» كل نبات أو معدن أو جذر أو فطر بالتفصيل مع إدراج خصائصه حسب نظام جالينوس للدرجات والعناصر. على سبيل المثال، يصنف الحبهان بأنه يقع «في الدرجة الثانية من حيث كونه حارا وجافا»، وهو ما يعني أنه جيد لعلاج الناس الذين يعانون من البرودة والرطوبة. وقد مكن هذا النظام الأطباء من وصف الكميات الصحيحة من المادة لإعادة التوازن إلى الأخلاط الأربعة للمريض. كتب باحث ساليرني يدعى ماتيوس بلاتيريوس أنجح صيغة من كتاب «سيركا إنستانس»، ترجمت إلى كل اللغات الأوروبية الرئيسية. في بعض الأماكن، كان يشترط على الصيادلة بموجب القانون أن يكون لديهم نسخة منه في متاجرهم؛ لذا ليس من المستغرب بقاء كثير جدا من مخطوطاته .
अज्ञात पृष्ठ