ज्ञान का नक्शा
خريطة المعرفة: كيف فقد العالم أفكار العصر الكلاسيكي وكيف استعادها: تاريخ سبع مدن
शैलियों
كان لألفانو كثير من الأصدقاء ذوي النفوذ، ومنهم ديسيديريوس، رئيس دير مونتيكاسينو. التقى الاثنان عندما زار ديسيديريوس مدينة ساليرنو في خمسينيات القرن الحادي عشر لتلقي العلاج الطبي؛ فجمعتهما علاقة ارتكزت على اهتماماتهما الفكرية المشتركة وصارا صديقين مقربين. أقنع ديسيديريوس ألفانو بالعودة معه إلى مونتيكاسينو، من أجل الدراسة هناك لبعض الوقت. أغلب الظن أن ألفانو في ذلك الوقت هو الذي اقترح على قسطنطين أنه ينبغي أن ينتقل إلى هناك أيضا. لم يكن من الممكن أن يتخير وقتا أفضل من ذلك؛ فمدينة مونتيكاسينو كانت تنعم بعصر ذهبي، بوصفها المؤسسة الدينية الرفيعة المقام الأكثر تأثيرا في أوروبا بأسرها. لا بد أن فرصة العمل في المنسخ الحافل بالعمل، مقر المخطوط الكاسيني (نسبة إلى مونتيكاسينو) المتميز، محاطا بباحثين آخرين وبكل التجهيزات العملية، مثل الرق والحبر والأقلام المتاحة مجانا، ناهيك عن جيش من النساخ لمساعدته، كانت فرصة لا تقاوم. الأهم من كل ذلك، أنه كان سيصبح بمقدوره أن يدرس المخطوطات الطبية الموجودة بالمكتبة ويستخدمها إطارا عند تحضيره لتراجمه من أجل القراء اللاتينيين. من المحتمل أيضا أن قسطنطين كانت تدفعه أسباب دينية تقف وراء رغبته في أن يصبح جزءا من طائفة الرهبان. لا نعرف إذا ما كان قد ترك الديانة الإسلامية في مرحلة ما أثناء الفترة التي قضاها في إيطاليا، أو إذا ما كان، في الواقع، قد ولد مسيحيا؛ فقد كان يوجد العديد من الطوائف المسيحية في شمال أفريقيا في ذلك الوقت.
كانت الرحلة من ساليرنو إلى مونتيكاسينو تستغرق عدة أيام، ولا بد أن قسطنطين قد شرع في رحلته على طريق فيا بوبيليا ، الذي كان يمر بنابولي في طريقه إلى كابوا، ومن هناك، سلك طريق فيا لاتينا شمالا. لعله رأى الدير على بعد أميال، جاثما على قمة تلته الصخرية ومطلا على المزارع والقرى المحصنة لإقليم تيرا سانكتي بندكتي في وادي ليري بالأسفل. بعد صعود مضن للتل، لعله دخل بوابات مجمع الدير الضخم ومر بموقع كنيسة البازيليك الجديدة التي كانت تحت الإنشاء، والحرفيون البيزنطيون يزينونها بأشكال الفسيفساء والمنسوجات والحلي. ومن المحتمل جدا أن الأبواب البرونزية الهائلة، التي سبكت خصيصا في القسطنطينية بلوحات مطعمة بالفضة، كانت قد ركبت بالفعل.
في وقت ما بعد وصوله، اقتيد قسطنطين للقاء ديسيديريوس الذي خطط كل هذه الروعة. فقدم قسطنطين إلى رئيس الدير خطابات توصية من ألفانو، ونسخة من ترجمته الجديدة لكتاب «إيساغوجي». أثناء وجود قسطنطين في مونتيكاسينو، أكمل أكبر مشروعاته، وهو كتاب «الكليات»، وأهداه لديسيديريوس. وبوصفه أول نص طبي شامل باللغة اللاتينية، كان الكتاب في غاية الأهمية، ولكنه أيضا كان مثيرا للجدل. فمع أن قدرا كبيرا من نص قسطنطين استند إلى كتاب «كامل الصناعة الطبية»، لعلي بن العباس المجوسي (توفي نحو عام 982)، فإنه لا يشكل ترجمة أمينة على الإطلاق؛ فهو مقتطع في بعض المواضع ومستفيض بالاستعانة بمصادر بديلة في مواضع أخرى. لا يأتي قسطنطين على ذكر المجوسي، ولا حتى مؤلفي المصادر الأخرى التي أدرجها، ويبدو كأنه يقدمه على أنه من ابتكاره.
6
وحذف أيضا، أثناء تنقيحه للكتاب، كل إشارات المجوسي إلى علماء عرب سابقين، وعوضا عن ذلك وضع مقدمة للترجمة أورد فيها قائمة بالكتب الستة عشر التي يتضمنها المنهج الدراسي الإسكندري؛ طامسا بالفعل الإسهام العربي ومشددا على أهمية جالينوس. ولا عجب في أن هذا أدى إلى اتهامات المؤرخين المعاصرين له بالسرقة الفكرية، ولكن الأمر يبدو كأن قسطنطين كان يحاول متعمدا أن يخفي الأصول العربية للنص حتى يعظم من فرص قبوله في أوروبا، ولم يكن يحاول أن يدعي ملكيته لنفسه. فالأحداث السياسية الأخيرة، وبخاصة في جنوب إيطاليا حيث تسببت هجمات «الساراسين» في قدر كبير من الوفيات والدمار، كانت تعني أن الموقف العام تجاه المسلمين لم يكن ينطوي على قدر كبير من القبول لهم. من جهة أخرى، أتت المعرفة الطبية في إيطاليا في ذلك الوقت من التقليد الهلينستي؛ لذا من المحتمل أيضا أن قسطنطين كان يسعى لضمان توافق عمله مع الأفكار السائدة. غير أنه من الغريب أنه قد اختار بوجه عام أن يترجم نسخا عربية من نصوص قديمة، بدلا من الأصول اليونانية، فلا بد أنه اعتقد أنها تتفوق عليها، رغم أنه بعد ذلك أخفى مؤلفيها وشدد على انتمائها إلى اليونان.
7
هذا التشابك المحير في الأولويات الثقافية يسلط الضوء على مدى تعقيد العلاقة بين أوروبا والإسلام في ذلك الوقت.
يذكر قسطنطين اسم اثنين فقط من الكتاب الذين ترجم لهم وهما الطبيب اليهودي أبو يعقوب إسحاق بن سليمان الإسرائيلي، الذي بدوره أخذ قدرا كبيرا من معلوماته من جالينوس، وحنين بن إسحاق، الذي حول قسطنطين اسمه إلى اللاتينية حيث أصبح إيوهانيتيوس. كذلك حول إلى اليونانية كثيرا من عناوين الأعمال التي ترجمها وكيف محتوياتها للجمهور اللاتيني. وينطبق هذا بصورة خاصة على كتاب «الكليات» (يعني باليونانية «كل الفنون»)، الذي استند إلى الهيكل الأساسي لكتاب المجوسي «كامل الصناعة الطبية»، ولكنه يغفل أقساما كبيرة من الأصل حاذفا إياها لصالح مادة علمية مأخوذة من أطروحات أخرى ويدخل نقاشا أدبيا في الطب، فيجعله عملا ذا صلة بالأصل ولكنه مختلف اختلافا كبيرا. كانت هذه جزئيا ضرورة؛ إذ تضرر المخطوط أثناء العاصفة في الرحلة من أفريقيا إلى إيطاليا؛ لذا كان غير كامل وينقصه قليل من الأقسام الأخيرة، ولكن كان من أسباب ذلك أيضا أن قسطنطين كان منشغلا بوضع منهج دراسي عملي لتعليم شباب الأطباء، وليس بتقديم تراجم أمينة للنصوص الأصلية. ومن قبيل الصدفة أن كتاب «الكليات» مليء أيضا بالأخطاء والمعاني المختلطة، ولكنه كان يستخدم على نطاق واسع دليلا في أساسيات الطب. ومن المذهل أن نسخة مخطوطة لكتاب «الكليات»، أنتجت في منسخ مونتيكاسينو وأشرف عليها قسطنطين نفسه في أواخر القرن الحادي عشر، ظلت باقية، وهي موجودة الآن في المكتبة الملكية في لاهاي. قرأ كثير من الباحثين الأوروبيين كتاب «الكليات» واقتبسوا منه في القرون اللاحقة، وبخاصة في أعمال الفلسفة الطبيعية. فقد حصل دانيال مورلي على نسخة، ربما أثناء وجوده في باريس، وكذلك، كما سنرى، اقتبس أديلار الباثي منه باستفاضة. بالإضافة إلى انتشاره في أرجاء أوروبا، أصبح كتاب «الكليات» جزءا أساسيا من المنهج الدراسي الساليرني وكان له تأثير ضخم، بخاصة على دراسة التشريح؛ إذ أدخل قسطنطين كتابين في هذا الموضوع لم يكونا جزءا من العمل الأصلي للمجوسي، ولكنه مأخوذ من النصوص الجالينوسية.
كانت تلك هي النصوص الكلاسيكية الأولى عن التشريح التي توافرت في أوروبا. وكانت نصوص التشريح المتاحة للطلاب في ساليرنو محدودة للغاية؛ إذ كانت الكنيسة تستاء من دراسة التشريح، وكان هذا الجانب من الطب يستبعد من المنهج الدراسي. مع ذلك، كانت هذه بداية التغيير، ومع ظهور تراجم قسطنطين، أضحى المعلمون يشرحون التشريح لطلابهم عن طريق تشريح الخنازير، وهو أمر سرعان ما أصبح حدثا سنويا.
8
अज्ञात पृष्ठ