732

ولو كانت الراء محركة إلى النصب والخفض كان جائزا، كما قيل: مد يا هذا، ومد. وقوله: { إن الله بما تعملون محيط } يقول جل ثناؤه: إن الله بما يعمل هؤلاء الكفار في عباده وبلاده من الفساد والصد عن سبيله والعداوة لأهل دينه وغير ذلك من معاصي الله، محيط بجميعه، حافظ له لا يعزب عنه شيء منه، حتى يوفيهم جزاءهم على ذلك كله ويذيقهم عقوبته عليه.

[3.121]

يعني جل ثناؤه بقوله : { وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين }: وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم أيها المؤمنون كيد هؤلاء الكفار من اليهود شيئا، ولكن الله ينصركم عليهم إن صبرتم على طاعتي، واتباع أمر رسولي، كما نصرتكم ببدر وأنتم أذلة. وإن أنتم خالفتم أيها المؤمنون أمري، ولم تصبروا على ما كلفتكم من فرائضي، ولم تتقوا ما نهيتكم عنه، وخالفتم أمري، وأمر رسولي، فإنه نازل بكم ما نزل بكم بأحد، واذكروا ذلك اليوم إذ غدا نبيكم يبوىء المؤمنين فترك ذكر الخبر عن أمر القوم إن لم يصبروا على أمر ربهم ولم يتقوه اكتفاء بدلالة ما ظهر من الكلام على معناه، إذ ذكر ما هو فاعل بهم من صرف كيد أعدائهم عنهم، إن صبروا على أمره، واتقوا محارمه، وتعقيبه ذلك بتذكيرهم ما حل بهم من البلاء بأحد، إذ خالف بعضهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتنازعوا الرأي بينهم. وأخرج الخطاب في قوله: { وإذ غدوت من أهلك } على وجه الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد بمعناه الذين نهاهم أن يتخذ الكفار من اليهود بطانة من دون المؤمنين، فقد بين إذا أن قوله: «وإذ» إنما جرها في معنى الكلام على ما قد بينت وأوضحت. وقد اختلف أهل التأويل في اليوم الذي عنى الله عز وجل بقوله: { وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال } فقال بعضهم: عنى بذلك يوم أحد. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: { وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال } قال: مشى النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ على رجليه يبوىء المؤمنين. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال } ذلك يوم أحد، غدا نبي الله صلى الله عليه وسلم من أهله إلى أحد يبوىء المؤمنين مقاعد للقتال. حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: { وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال } فغدا النبي صلى الله عليه وسلم من أهله إلى أحد يبوىء المؤمنين مقاعد للقتال. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال } فهو يوم أحد. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين } قال: هنا يوم أحد.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: مما نزل في يوم أحد: { وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين }. وقال آخرون: عنى بذلك يوم الأحزاب. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سنان القزاز، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا عباد، عن الحسن في قوله: { وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال } قال: يعني محمدا صلى الله عليه وسلم غدا يبوىء المؤمنين مقاعد للقتال يوم الأحزاب. وأولى هذين القولين بالصواب، قول من قال: عنى بذلك: يوم أحد لأن الله عز وجل يقول في الآية التي بعدها:

إذ همت طآئفتان منكم أن تفشلا

[آل عمران: 122] ولا خلاف بين أهل التأويل أنه عنى بالطائفتين بنو سلمة وبنو حارثة. ولا خلاف بين أهل السير والمعرفة بمغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الذي ذكر الله من أمرهما إنما كان يوم أحد دون يوم الأحزاب. فإن قال لنا قائل: وكيف يكون ذلك يوم أحد ورسول الله صلى الله عليه وسلم إنما راح إلى أحد من أهله للقتال يوم الجمعة بعد ما صلى الجمعة في أهله بالمدينة بالناس، كالذي: حدثكم ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيرهم من علمائنا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم راح حين صلى الجمعة إلى أحد، دخل فلبس لأمته، وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة، وقد مات في ذلك اليوم رجل من الأنصار، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرج عليهم وقال:

" ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل "

؟. قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان خروجه للقوم كان رواحا فلم يكن تبوئته للمؤمنين مقاعدهم للقتال عند خروجه، بل كان ذلك قبل خروجه لقتال عدوه وذلك أن المشركين نزلوا منزلهم من أحد فيما بلغنا يوم الأربعاء، فأقاموا به ذلك اليوم ويوم الخميس ويوم الجمعة، حتى راح رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم يوم الجمعة بعد ما صلى بأصحابه الجمعة، فأصبح بالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوال. حدثنا بذلك ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني محمد بن مسلم الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن وغيرهم. فإن قال: وكيف كانت تبوئته المؤمنين مقاعد للقتال غدوا قبل خروجه، وقد علمت أن التبوئة اتخاذ الموضع؟ قيل: كانت تبوئته إياهم ذلك قبل مناهضته عدوه عند مشورته على أصحابه بالرأي الذي رآه لهم بيوم أو يومين.

وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمع بنزول المشركين من قريش وأتباعها أحدا، قال فيما: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط عن السدي لأصحابه: «أشيروا علي ما أصنع؟»فقالوا: يا رسول الله اخرج إلى هذه الأكلب. فقالت الأنصار: يا رسول الله ما غلبنا عدو لنا أتانا في ديارنا، فكيف وأنت فينا؟ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي ابن سلول، ولم يدعه قط قبلها، فاستشاره فقال: يا رسول الله اخرج بنا إلى هذه الأكلب. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن يدخلوا عليه المدينة، فيقاتلوا في الأزقة، فأتاه النعمان بن مالك الأنصاري، فقال: يا رسول الله، لا تحرمني الجنة، فوالذي بعثك بالحق لأدخلن الجنة! فقال له: «بم؟» قال: بأني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وأني لا أفر من الزحف. قال: «صدقت؟» فقتل يومئذ. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بدرعه فلبسها، فلما رأوه وقد لبس السلاح، ندموا، وقالوا: بئسما صنعنا، نشير على رسول الله صلى الله عليه وسلم والوحي يأتيه! فقاموا واعتذروا إليه، وقالوا: اصنع ما رأيت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل "

अज्ञात पृष्ठ