जामे बयान
جامع البيان في تفسير القرآن
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: المؤمن خير للمنافق من المنافق للمؤمن يرحمه، ولو يقدر المنافق من المؤمن على مثل ما يقدر المؤمن عليه منه لأباد خضراءه. وكان مجاهد يقول: نزلت هذه الآية في المنافقين. حدثني بذلك محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. القول في تأويل قوله تعالى: { وإذا لقوكم قالوا ءامنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ }. يعني بذلك تعالى ذكره: إن هؤلاء الذين نهى الله المؤمنين أن يتخذوهم بطانة من دونهم، ووصفهم بصفتهم إذا لقوا المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعطوهم بألسنتهم تقية، حذرا على أنفسهم منهم، فقالوا لهم: قد آمنا وصدقنا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا هم خلوا فصاروا في خلاء حيث لا يراهم المؤمنون، عضوا على ما يرون من ائتلاف المؤمنين، واجتماع كلمتهم، وصلاح ذات بينهم، { أناملهم } وهي أطراف أصابعهم، تغيظا مما بهم من الموجدة عليهم، وأسى على ظهر يسندون إليه لمكاشفتهم العداوة ومناجزتهم المحاربة. وبنحو ما قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وإذا لقوكم قالوا ءامنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ }: إذا لقوا المؤمنين قالوا آمنا ليس بهم إلا مخافة على دمائهم وأموالهم، فصانعوهم بذلك. { وإذا خلوا عضوا عليكم الانامل من الغيظ } يقول: مما يجدون في قلوبهم من الغيظ والكراهة لما هم عليه لو يجدون ريحا لكانوا على المؤمنين، فهم كما نعت الله عز وجل. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه، عن الربيع بمثله، إلا أنه قال: من الغيظ لكراهتهم الذي هم عليه، ولم يقل: لو يجدون ريحا وما بعده. حدثنا عباس بن محمد، قال: ثنا مسلم، قال: ثني يحيى بن عمرو بن مالك البكري، قال: ثنا أبي، قال: كان أبو الجوزاء إذا تلا هذه الآية: { وإذا لقوكم قالوا ءامنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ } قال: هم الإباضية. والأنامل: جمع أنملة، ويقال أنملة، وربما جمعت أنملا، قال الشاعر:
أودكما ما بل حلقي ريقتي
وما حملت كفاي أنملي العشرا
وهي أطراف الأصابع كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، الأنامل: أطراف الأصابع. حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، بمثله. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل }: الأصابع. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قوله: { عضوا عليكم الأنامل من الغيظ } قال: عضوا على أصابعهم.
القول في تأويل قوله تعالى: { قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور }. يعني بذلك جل ثناؤه: قل يا محمد لهؤلاء اليهود الذين وصفت لك صفتهم، وأخبرتك أنهم إذا لقوا أصحابك، قالوا آمنا، وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ: موتوا بغيظكم الذي بكم على المؤمنين، لاجتماع كلمتهم، وائتلاف جماعتهم. وخرج هذا الكلام مخرج الأمر، وهو دعاء من الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بأن يدعو عليهم بأن يهلكهم الله كمدا مما بهم من الغيظ على المؤمنين، قبل أن يروا فيهم ما يتمنون لهم من العنت في دينهم، والضلالة بعد هداهم، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد، اهلكوا بغيظكم، إن الله عليم بذات الصدور، يعني بذلك: إن الله ذو علم بالذي في صدور هؤلاء الذين إذا لقوا المؤمنين، قالوا: آمنا، وما ينطوون لهم عليه من الغل والغم، ويعتقدون لهم من العداوة والبغضاء، وبما في صدور جميع خلقه، حافظ على جميعهم ما هو عليه منطو من خير وشر، حتى يجازي جميعهم على ما قدم من خير وشر، واعتقد من إيمان وكفر، وانطوى عليه لرسوله وللمؤمنين من نصيحة أو غل وغمر.
[3.120]
يعني بقوله تعالى ذكره: { إن تمسسكم حسنة تسؤهم } إن تنالوا أيها المؤمنون سرورا بظهوركم على عدوكم، وتتابع الناس في الدخول في دينكم، وتصديق نبيكم، ومعاونتكم على أعدائكم، يسؤهم. وإن تنلكم مساءة بإخفاق سرية لكم، أو بإصابة عدو لكم منكم، أو اختلاف يكون بين جماعتكم يفرحوا بها. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها } ، فإذا رأوا من أهل الإسلام ألفة وجماعة وظهورا على عدوهم، غاظهم ذلك وساءهم، وإذا رأوا من أهل الإسلام فرقة واختلافا أو أصيب طرف من أطراف المسلمين سرهم ذلك وأعجبوا به وابتهجوا به، فهم كلما خرج منهم قرن أكذب الله أحدوثته وأوطأ محلته، وأبطل حجته، وأظهر عورته، فذاك قضاء الله فيمن مضى منهم وفيمن بقي إلى يوم القيامة. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: { إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها } قال: هم المنافقون إذا رأوا من أهل الإسلام جماعة وظهورا على عدوهم، غاظهم ذلك غيظا شديدا وساءهم، وإذا رأوا من أهل الإسلام فرقة واختلافا، أو أصيب طرف من أطراف المسلمين، سرهم ذلك وأعجبوا به قال الله عز وجل: { وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط }. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: { إن تمسسكم حسنة تسؤهم } قال: إذا رأوا من المؤمنين جماعة وألفة ساءهم ذلك، وإذا رأوا منهم فرقة واختلافا فرحوا. وأما قوله: { وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا } فإنه يعني بذلك جل ثناؤه: وإن تصبروا أيها المؤمنون على طاعة الله، واتباع أمره فيما أمركم به، واجتناب ما نهاكم عنه، من اتخاذ بطانة لأنفسكم من هؤلاء اليهود الذين وصف الله صفتهم من دون المؤمنين، وغير ذلك من سائر ما نهاكم، وتتقوا ربكم، فتخافوا التقدم بين يديه فيما ألزمكم، وأوجب عليكم من حقه وحق رسوله، لا يضركم كيدهم شيئا: أي كيد هؤلاء الذين وصف صفتهم. ويعني بكيدهم: غوائلهم التي يبتغونها للمسلمين ومكرهم بهم ليصدوهم عن الهدى وسبيل الحق. واختلف القراء في قراءة قوله: { لا يضركم } فقرأ ذلك جماعة من أهل الحجاز وبعض البصريين: «لا يضركم» مخففة بكسر الضاد من قول القائل: ضارني فلان فهو يضيرني ضيرا، وقد حكي سماعا من العرب: ما ينفعني ولا يضورني. فلو كانت قرئت على هذه اللغة لقيل: لا يضركم كيدهم شيئا، ولكني لا أعلم أحدا قرأ به، وقرأ ذلك جماعة من أهل المدينة وعامة قراء أهل الكوفة: { لا يضركم كيدهم شيئا } بضم الضاد وتشديد الراء من قول القائل: ضرني فلان فهو يضرني ضرا.
وأما الرفع في قوله: { لا يضركم } فمن وجهين: أحدهما على إتباع الراء في حركتها، إذ كان الأصل فيها الجزم، ولم يمكن جزمها لتشديدها أقرب حركات الحروف التي قبلها، وذلك حركة الضاد، وهي الضمة، فألحقت بها حركة الراء لقربها منها، كما قالوا: مد يا هذا. والوجه الآخر من وجهي الرفع في ذلك: أن تكون مرفوعة على صحة، وتكون «لا» بمعنى «ليس»، وتكون الفاء التي هي جواب الجزاء متروكة لعلم السامع بموضعها. وإذا كان ذلك معناه، كان تأويل الكلام: وإن تصبروا وتتقوا فليس يضركم كيدهم شيئا، ثم تركت الفاء من قوله: { لا يضركم كيدهم } ووجهت «لا» إلى معنى «ليس»، كما قال الشاعر:
فإن كان لا يرضيك حتى تردني
إلى قطري لا إخالك راضيا
अज्ञात पृष्ठ