जामे बयान
جامع البيان في تفسير القرآن
فإن ظن ظان أن الواجب في «أيهم» النصب، إذ كان ذلك معناه، فقد ظن خطأ وذلك أن النظر والتبين والعلم مع أي يقتضي استفهاما واستخبارا، وحظ «أي» في الاستخبار الابتداء، وبطول عمل المسألة والاستخبار عنه. وذلك أن معنى قول القائل: لأنظرن أيهم قام، لأستخبرن الناس أيهم قام وكذلك قولهم: لأعلمن. وقد دللنا فيما مضى قبل أن معنى يكفل يضم، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. القول في تأويل قوله تعالى: { وما كنت لديهم إذ يختصمون }. يعني بذلك جل ثناؤه: وما كنت يا محمد عند قوم مريم، إذ يختصمون فيها أيهم أحق بها وأولى، وذلك من الله عز وجل وإن كان خطابا لنبيه صلى الله عليه وسلم، فتوبيخ منه عز وجل للمكذبين به من أهل الكتابين، يقول: كيف يشك أهل الكفر بك منهم، وأنت تنبئهم هذه الأنباء ولم تشهدها، ولم تكن معهم يوم فعلوا هذه الأمور، ولست ممن قرأ الكتب فعلم نبأهم، ولا جالس أهلها فسمع خبرهم. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: { وما كنت لديهم إذ يختصمون } أي ما كنت معهم إذ يختصمون فيها يخبره بخفي ما كتموا منه من العلم عندهم، لتحقيق نبوته والحجة عليهم، لما يأتيهم به مما أخفوا منه.
[3.45]
يعني بقوله جل ثناؤه: { إذ قالت الملئكة } وما كنت لديهم إذ يختصمون، وما كنت لديهم أيضا إذ قالت الملائكة: يا مريم إن الله يبشرك. والتبشير: إخبار المرء بما يسره من خبر. وقوله: { بكلمة منه } يعني: برسالة من الله، وخبر من عنده، وهو من قول القائل: ألقى فلان إلي كلمة سرني بها، بمعنى: أخبرني خبرا فرحت به، كما قال جل ثناؤه:
وكلمته ألقها إلى مريم
[النساء: 171] يعني بشرى الله مريم بعيسى ألقاها إليها. فتأويل الكلام: وما كنت يا محمد عند القوم إذ قالت الملائكة لمريم: يا مريم إن الله يبشرك ببشرى من عنده، هي ولد لك، اسمه المسيح عيسى ابن مريم. وقد قال قوم، وهو قول قتادة: إن الكلمة التي قال الله عز وجل بكلمة منه، هو قوله: «كن». حدثنا بذلك الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: { بكلمة منه } قال: قوله: «كن». فسماه الله عز وجل كلمته، لأنه كان عن كلمته، كما يقال لما قدر الله من شيء: هذا قدر الله وقضاؤه، يعني به: هذا عن قدر الله وقضائه حدث، وكما قال جل ثناؤه: { وكان أمر الله مفعولا } يعني به: ما أمر الله به، وهو المأمور الذي كان عن أمر الله عز وجل. وقال آخرون: بل هي اسم لعيسى سماه الله بها كما سمى سائر خلقه بما شاء من الأسماء. وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: الكلمة: هي عيسى. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: { إذ قالت الملئكة يمريم إن الله يبشرك بكلمة منه } قال: عيسى هو الكلمة من الله. وأقرب الوجوه إلى الصواب عندي القول الأول: وهو أن الملائكة بشرت مريم بعيسى عن الله عز وجل برسالته وكلمته التي أمرها أن تلقيها إليها، أن الله خالق منها ولدا من غير بعل ولا فحل، ولذلك قال عز وجل: { اسمه المسيح } فذكر، ولم يقل اسمها فيؤنث، والكلمة مؤنثة، لأن الكلمة غير مقصود بها قصد الاسم الذي هو بمعنى فلان، وإنما هي بمعنى البشارة، فذكرت كنايتها، كما تذكر كناية الذرية والدابة والألقاب، على ما قد بيناه قبل فيما مضى. فتأويل ذلك كما قلنا آنفا، من أن معنى ذلك: إن الله يبشرك ببشرى، ثم بين عن البشرى، أنها ولد اسمه المسيح. وقد زعم بعض نحويي البصرة، أنه إنما ذكر فقال: { اسمه المسيح } ، وقد قال: { بكلمة منه } والكلمة عنده: هي عيسى، لأنه في المعنى كذلك، كما قال جل ثناؤه:
أن تقول نفس يحسرتى
[الزمر: 56]، ثم قال:
بلى قد جاءتك ءايتى فكذبت بها
[الزمر: 59] وكما يقال: ذو الثدية، لأن يده كانت قصيرة قريبة من ثدييه، فجعلها كأن اسمها ثدية، ولولا ذلك لم تدخل الهاء في التصغير. وقال بعض نحويي الكوفة نحو قول من ذكرنا من نحويي البصرة، في أن الهاء من ذكر الكلمة، وخالفه في المعنى الذي من أجله ذكر قوله { اسمه } ، والكلمة متقدمة قبله، فزعم أنه إنما قيل اسمه، وقد قدمت الكلمة، ولم يقل اسمها، لأن من شأن العرب أن تفعل ذلك فيما كان من النعوت والألقاب والأسماء التي لم توضع لتعريف المسمى به كفلان وفلان، وذلك مثل الذرية والخليفة والدابة، ولذلك جاز عنده أن يقال: ذرية طيبة، وذرية طيبا ولم يجز أن يقال: طلحة أقبلت، ومغيرة قامت. وأنكر بعضهم اعتلال من اعتل في ذلك بذي الثدية، وقالوا: إنما أدخلت الهاء في ذي الثدية لأنه أريد بذلك: القطعة من الثدي، كما قيل: كنا في لحمة ونبيذة، يراد به: القطعة منه. وهذا القول نحو قولنا الذي قلناه في ذلك. وأما قوله: { اسمه المسيح عيسى ابن مريم } فإنه جل ثناؤه أنبأ عباده عن نسبة عيسى، وأنه ابن أمه مريم، ونفى بذلك عنه ما أضاف إليه الملحدون في الله جل ثناؤه من النصارى، من إضافتهم بنوته إلى الله عز وجل، وما قذفت أمه به المفترية عليها من اليهود. كما: حدثني به ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: { إذ قالت الملئكة يمريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين }: أي هكذا كان أمره، لا ما يقولون فيه. وأما المسيح، فإنه فعيل، صرف من مفعول إلى فعيل، وإنما هو ممسوح، يعني: مسحه الله فطهره من الذنوب، ولذلك قال إبراهيم: المسيح الصديق.... حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، مثله. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا ابن المبارك، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، مثله وقال آخرون مسح بالبركة. حدثنا ابن البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: قال سعيد: إنما سمي المسيح، لأنه مسح بالبركة. القول في تأويل قوله تعالى: { وجيها في الدنيا والاخرة ومن المقربين }. يعني بقوله «وجيها»: ذا وجه ومنزلة عالية عند الله وشرف وكرامة، ومنه يقال للرجل الذي يشرف وتعظمه الملوك والناس: وجيه يقال منه: ما كان فلان وجيها، ولقد وجه وجاهة، وإن له لوجها عند السلطان، وجاها ووجاهة. والجاه: مقلوب قلبت واوه من أوله إلى موضع العين منه، فقيل جاه، وإنما هو وجه وفعل من الجاه: جاه يجوه، مسموع من العرب: أخاف أن يجوهني بأكثر من هذا، بمعنى: أن يستقبلني في وجهي بأعظم منه.
وأما نصب الوجيه فعلى القطع من عيسى، لأن عيسى معرفة، ووجيه نكرة، وهو من نعته، ولو كان مخفوضا على الرد على الكلمة كان جائزا. وكما قلنا من أن تأويل ذلك وجيها في الدنيا والآخرة عند الله، قال فيما بلغنا محمد بن جعفر. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: { وجيها } قال: وجيها في الدنيا والآخرة عند الله. وأما قوله: { ومن المقربين } فإنه يعني: أنه ممن يقربه الله يوم القيامة، فيسكنه في جواره، ويدنيه منه. كما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { ومن المقربين } يقول: من المقربين عند الله يوم القيامة. حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: { ومن المقربين } يقول: من المقربين عند الله يوم القيامة. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.
अज्ञात पृष्ठ