जामे बयान
جامع البيان في تفسير القرآن
وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ
[الأنعام: 19]: ألقي إلي بمجيء جبريل عليه السلام به إلي من عند الله عز وجل. وأما الوحي: فهو الواقع من الموحي إلى الموحى إليه، ولذلك سمت العرب الخط والكتاب وحيا، لأنه واقع فيما كتب ثابت فيه، كما قال كعب بن زهير:
أتى العجم والآفاق منه قصائد
بقين بقاء الوحي في الحجر الأصم
يعني به الكتاب الثابت في الحجر. وقد يقال في الكتاب خاصة إذا كتبه الكاتب وحى، بغير ألف، ومنه قول رؤبة:
كأنه بعد رياح تدهمه
ومرثعنات الدجون تثمه
إنجيل أحبار وحى منمنمه
القول في تأويل قوله تعالى: { وما كنت لديهم إذ يلقون أقلمهم أيهم يكفل مريم }.
يعني جل ثناؤه بقوله: { وما كنت لديهم }: وما كنت يا محمد عندهم، فتعلم ما نعلمكه من أخبارهم التي لم تشهدها، ولكنك إنما تعلم ذلك فتدرك معرفته بتعريفنا. ومعنى قوله { لديهم }: عندهم، ومعنى قوله { إذ يلقون }: حين يلقون أقلامهم. وأما أقلامهم فسهامهم التي استهم بها المتسهمون من بني إسرائيل على كفالة مريم، على ما قد بينا قبل في قوله: { وكفلها زكريا }. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام بن عمرو، عن سعيد، عن قتادة في قوله: { وما كنت لديهم } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { يلقون أقلمهم }: زكريا وأصحابه استهموا بأقلامهم على مريم حين دخلت عليهم. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { وما كنت لديهم إذ يلقون أقلمهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون }: كانت مريم ابنة إمامهم وسيدهم، فتشاح عليها بنو إسرائيل، فاقترعوا فيها بسهامهم أيهم يكفلها، فقرعهم زكريا، وكان زوج أختها، فكفلها زكريا، يقول: ضمها إليه. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { يلقون أقلمهم } قال: تساهموا على مريم أيهم يكفلها، فقرعهم زكريا. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: { وما كنت لديهم إذ يلقون أقلمهم أيهم يكفل مريم } ، وإن مريم لما وضعت في المسجد، اقترع عليها أهل المصلى، وهم يكتبون الوحي، فاقترعوا بأقلامهم أيهم يكفلها، فقال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم: { وما كنت لديهم إذ يلقون أقلمهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون }. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { إذ يلقون أقلمهم أيهم يكفل مريم }: اقترعوا بأقلامهم أيهم يكفل مريم، فقرعهم زكريا. حدثنا محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن، في قوله: { وما كنت لديهم إذ يلقون أقلمهم } قال: حيث اقترعوا على مريم، وكان غيبا عن محمد صلى الله عليه وسلم حين أخبره الله. وإنما قيل: { أيهم يكفل مريم } لأن إلقاء المستهمين أقلامهم على مريم إنما كان لينظروا أيهم أولى بكفالتها وأحق، ففي قوله عز وجل: { إذ يلقون أقلمهم } دلالة على محذوف من الكلام، وهو: «لينظروا أيهم يكفل، وليتبينوا ذلك ويعلموه».
अज्ञात पृष्ठ