658

كما يزدري من حية جبلية

سكاب إذا ما عض ليس بأدردا

فأنث الجبلية لتأنيث لفظ الحية، ثم رجع إلى المعنى فقال: إذا ما عض لأنه كان أراد حية ذكرا، وإنما يجوز هذا فيما لم يقع عليه فلان من الأسماء كالدابة والذرية والخليفة، فأما إذا سمي رجل بشيء من ذلك، فكان في معنى فلان لم يجز تأنيث فعله ولا نعته. وأما قوله: { إنك سميع الدعاء } فإن معناه: إن سامع الدعاء، غير أن سميع أمدح، وهو بمعنى ذو سمع له، وقد زعم بعض نحويي البصرة أن معناه: إنك تسمع ما تدعى به. فتأويل الآية: فعند ذلك دعا زكريا ربه فقال: رب هب لي من عندك ولدا مباركا، إنك ذو سمع دعاء من دعاك.

[3.39]

اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل المدينة وبعض أهل الكوفة والبصرة: { فنادته الملئكة } على التأنيث بالتاء، يراد بها: جمع الملائكة، وكذلك تفعل العرب في جماعة الذكور إذا تقدمت أفعالها أنثت أفعالها ولاسيما الأسماء التي في ألفاظها التأنيث كقولهم: جاءت الطلحات. وقد قرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة بالياء، بمعنى: فناداه جبريل فذكروه للتأويل، كما قد ذكرنا آنفا أنهم يؤنثون فعل الذكر للفظ، فكذلك يذكرون فعل المؤنث أيضا للفظ. واعتبروا ذلك فيما أرى بقراءة يذكر أنها قراءة عبد الله بن مسعود، وهو ما: حدثني به المثنى، قال: ثنا إسحاق بن الحجاج، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد أن قراءة ابن مسعود: «فناداه جبريل وهو قائم يصلي في المحراب». وكذلك تأول قوله: { فنادته الملئكة } جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { فنادته الملئكة } وهو جبريل أو: قالت الملائكة، وهو جبريل { أن الله يبشرك بيحيى }. فإن قال قائل: وكيف جاز أن يقال على هذا التأويل: { فنادته الملئكة } والملائكة جمع لا واحد؟ قيل: ذلك جائز في كلام العرب بأن تخبر عن الواحد بمذهب الجمع، كما يقال في الكلام: خرج فلان على بغال البرد، وإنما ركب بغلا واحدا، وركب السفن ، وإنما ركب سفينة واحدة، وكما يقال: ممن سمعت هذا الخبر؟ فيقال: من الناس، وإنما سمعه من رجل واحد وقد قيل: إن منه قوله:

الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم

[آل عمران: 173]، والقائل كان فيما ذكر واحدا، وقوله:

وإذا مس الناس ضر

[الروم: 33]، والناس بمعنى واحد، وذلك جائز عندهم فيما لم يقصد فيه قصد واحد. وإنما الصواب من القول عندي في قراءة ذلك أنهما قراءتان معروفتان، أعني التاء والياء، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، وذلك أنه لا اختلاف في معنى ذلك باختلاف القرائين، وهما جميعا فصيحتان عند العرب، وذلك أن الملائكة إن كان مرادا بها جبريل كما روي عن عبد الله فإن التأنيث في فعلها فصيح في كلام العرب للفظها إن تقدمها الفعل، وجائز فيه التذكير لمعناها. وإن كان مرادا بها جمع الملائكة فجائز في فعلها التأنيث، وهو من قبلها للفظها، وذلك أن العرب إذا قدمت على الكثير من الجماعة فعلها أنثته، فقالت: قالت النساء، وجائز التذكير في فعلها بناء على الواحد إذا تقدم فعله، فيقال: قال الرجال. وأما الصواب من القول في تأويله، فأن يقال: إن الله جل ثناؤه، أخبر أن الملائكة نادته، والظاهر من ذلك أنها جماعة من الملائكة دون الواحد وجبريل واحد، فلن يجوز أن يحمل تأويل القرآن إلا على الأظهر الأكثر من الكلام المستعمل في ألسن العرب، دون الأقل ما وجد إلى ذلك سبيل، ولم يضطرنا حاجة إلى صرف ذلك إلى أنه بمعنى واحد، فيحتاج له إلى طلب المخرج بالخفي من الكلام والمعاني.

وبما قلنا في ذلك من التأويل قال جماعة من أهل العلم، منهم قتادة والربيع بن أنس وعكرمة ومجاهد وجماعة غيرهم. وقد ذكرنا ما قالوا من ذلك فيما مضى. القول في تأويل قوله تعالى: { وهو قائم يصلى فى المحراب أن الله يبشرك بيحيى }. وتأويل قوله { وهو قائم }: فنادته الملائكة في حال قيامه مصليا. فقوله: { وهو قائم } خبر عن وقت نداء الملائكة زكريا وقوله: { يصلي } في موضع نصب على الحال من القيام، وهو رفع بالياء. وأما المحراب: فقد بينا معناه، وأنه مقدم المسجد. واختلفت القراء في قراءة قوله: { إن الله يبشرك } ، فقرأته عامة القراء: { إن الله } بفتح الألف من «أن» بوقوع النداء عليها بمعنى فنادته الملائكة بذلك. وقرأه بعض قراء أهل الكوفة: «إن الله يبشرك» بكسر الألف بمعنى: قالت الملائكة: إن الله يبشرك، لأن النداء قول وذكروا أنها في قراءة عبد الله: «فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب يا زكريا إن الله يبشرك» قالوا: إذا بطل النداء أن يكون عاملا في قوله: «يا زكريا»، فباطل أيضا أن يكون عاملا في «إن». والصواب من القراءة في ذلك عندنا: { إن الله يبشرك } بفتح أن بوقوع النداء عليه، بمعنى: فنادته الملائكة بذلك، وليست العلة التي اعتل بها القارئون بكسر إن، من أن عبد الله كان يقرؤها كذلك، وذلك أن عبد الله إن كان قرأ ذلك كذلك، فإنما قرأها بزعمهم. وقد اعترض ب«يا زكريا» بين «إن» وبين قوله: «فنادته»، وإذا اعترض به بينهما، فإن العرب تعمل حينئذ النداء في «أن»، وتبطله عنها. أما الإبطال، فإنه بطل عن العمل في المنادى قبله، فأسلكوا الذي بعده مسلكه في بطول عمله. وأما الإعمال، فلأن النداء فعل واقع كسائر الأفعال. وأما قراءتنا فليس نداء زكريا ب«يا زكريا»، معترضا به بين «أن» وبين قوله: «فنادته»، وإذا لم يكن ذلك بينهما، فالكلام الفصيح من كلام العرب إذ نصبت بقول: ناديت اسم المنادى، وأوقعوه عليه أن يوقعوه كذلك على «أن» بعده وإن كان جائزا إبطال عمله، فقوله: «نادته»، قد وقع على مكني زكريا فكذلك الصواب أن يكون واقعا على «أن» وعاملا فيها، مع أن ذلك هو القراءة المستفيضة في قراءة أمصار الإسلام، ولا يعترض بالشاذ على الجماعة التي تجيء مجيء الحجة. وأما قوله: { يبشرك } فإن القراء اختلفت في قراءته، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة: { إن الله يبشرك } بتشديد الشين وضم الياء على وجه تبشير الله زكريا بالولد، من قول الناس: بشرت فلانا البشرى بكذا وكذا، أي أتته بشارات البشرى بذلك.

अज्ञात पृष्ठ