536

[البقرة: 180] قال: فنسخت هذه. ثم قرأ حتى أتى على هذه الآية: { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا } إلى قوله: { غير إخراج } فقال: وهذه وقال آخرون: هذه الآية ثابتة الحكم لم ينسخ منها شيء. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:

والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا

[البقرة: 234] قال: كانت هذه للمعتدة تعتد عند أهل زوجها واجبا ذلك عليها، فأنزل الله: { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج } إلى قوله: { من معروف } قال: جعل الله لهم تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية، إن شاءت سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله تعالى ذكره: { غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم } قال: والعدة كما هي واجبة.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس أنه قال: نسخت هذه الآية عدتها عند أهله تعتد حيث شاءت، وهو قول الله: { غير إخراج } قال عطاء: إن شاءت اعتدت عند أهله وسكنت في وصية، وإن شاءت خرجت لقول الله تعالى ذكره: { فلا جناح عليكم فيما فعلن فى أنفسهن } قال عطاء: جاء الميراث بنسخ السكنى تعتد حيث شاءت، ولا سكنى لها وأولى هذه الأقوال عندي في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره كان جعل لأزواج من مات من الرجال بعد موتهم سكنى حول في منزله، ونفقتها في مال زوجها الميت إلى انقضاء السنة. ووجب على ورثة الميت أن لا يخرجوهن قبل تمام الحول من المسكن الذي يسكنه، وإن هن تركن حقهن من ذلك وخرجن لم تكن ورثة الميت خروجهن في حرج. ثم إن الله تعالى ذكره نسخ النفقة بآية الميراث، وأبطل مما كان جعل لهن من سكنى حول سبعة أشهر وعشرين ليلة، وردهن إلى أربعة أشهر وعشر على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا حجاج، قال: أخبرنا حيوة بن شريح، عن ابن عجلان، عن سعيد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، وأخبره عن عمته زينب ابنة كعب بن عجرة، عن فريعة أخت أبي سعيد الخدري: أن زوجها خرج في طلب عبد له، فلحقه بمكان قريب، فقاتله وأعانه عليه أعبد معه، فقتلوه. فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن زوجها خرج في طلب عبد له، فلقيه علوج فقتلوه، وإني في مكان ليس فيه أحد غيري، وإن أجمع لأمري أن أنتقل إلى أهلي. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" بل امكثي مكانك حتى يبلغ الكتاب أجله "

وأما قوله: { متاعا } فإن معناه: جعل ذلك لهن متاعا، أي الوصية التي كتبها الله لهن. وإنما نصب”المتاع”، لأن في قوله: { وصية لازواجهم } معنى متعهن الله، فقيل متاعا مصدرا من معناه، لا من لفظه. وقوله: { غير إخراج } فإن معناه أن الله تعالى ذكره جعل ما جعل لهن من الوصية متاعا منه لهن إلى الحول لا إخراجا من مسكن زوجها، يعني لا إخراج فيه منه حتى ينقضي الحول، فنصب”غير”على النعت للمتاع كقول القائل: هذا قيام غير قعود، بمعنى: هذا قيام لا قعود معه، أو لا قعود فيه.

وقد زعم بعضهم أنه منصوب بمعنى: لا تخرجوهن إخراجا. وذلك خطأ من القول، لأن ذلك إذا نصب على هذا التأويل كان نصبه من كلام آخر غير الأول، وإنما هو منصوب بما نصب المتاع على النعت له. القول في تأويل قوله تعالى: { فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم }. يعني تعالى ذكره بذلك: أن المتاع الذي جعله الله لهن إلى الحول في مال أزواجهن بعد وفاتهم وفي مساكنهم ونهى ورثته عن إخراجهن، إنما هو لهن ما أقمن في مساكن أزواجهن، وأن حقوقهن من ذلك تبطل بخروجهن إن خرجن من منازل أزواجهن قبل الحول من قبل أنفسهن بغير إخراج من ورثة الميت. ثم أخبر تعالى ذكره أنه لا حرج على أولياء الميت في خروجهن وتركهن الحداد على أزواجهن لأن المقام حولا في بيوت أزواجهن والحداد عليه تمام حول كامل لم يكن فرضا عليهن، وإنما كان ذلك إباحة من الله تعالى ذكره لهن إن أقمن تمام الحول محدات، فأما إن خرجن فلا جناح على أولياء الميت ولا عليهن فيما فعلن في أنفسهن من معروف، وذلك ترك الحداد. يقول: فلا حرج عليكم في التزين إن تزين وتطيبن وتزوجن، لأن ذلك لهن. وإنما قلنا: لا حرج عليهن في خروجهن، وإن كان إنما قال تعالى ذكره: { فلا جناح عليكم } لأن ذلك لو كان عليهن في جناح، لكان على أولياء الرجل فيه جناح بتركهم إياهن، والخروج مع قدرتهم على منعهن من ذلك. ولكن لما لم يكن عليهن جناح في خروجهن وترك الحداد، وضع عن أولياء الميت وغيرهم الحرج فيما فعلن من معروف، وذلك في أنفسهن. وقد مضت الرواية عن أهل التأويل بما قلناه. في ذلك قبل. وأما قوله: { والله عزيز حكيم } فإنه يعني تعالى ذكره: والله عزيز في انتقامه ممن خالف أمره ونهيه وتعدى حدوده من الرجال والنساء، فمنع من كان من الرجال نساءهم وأزواجهم ما فرض لهن عليهم في الآيات التي مضت قبل من المتعة والصداق والوصية وإخراجهن قبل انقضاء الحول وترك المحافظة على الصلوات وأوقاتها، ومنع من كان من النساء ما ألزمهن الله من التربص عند وفاة أزواجهن عن الأزواج وخالف أمره في المحافظة على أوقات الصلوات { حكيم } فيما قضى بين عباده من قضاياه التي قد تقدمت في الآيات قبل قوله. { ولله عزيز حكيم } وفي غير ذلك من أحكامه وأقضيته.

[2.241]

يعني تعالى ذكره بذلك: ولمن طلق من النساء على مطلقها من الأزواج متاع، يعني بذلك. ما تستمتع به من ثياب وكسوة ونفقة أو خادم وغير ذلك مما يستمتع به. وقد بينا فيما مضى قبل معنى ذلك، واختلاف أهل العلم فيه والصواب من القول من ذلك عندنا بما فيه الكفاية من إعادته. وقد اختلف أهل العلم في المعنية بهذه الآية من المطلقات، فقال بعضهم: عني بها الثياب اللواتي قد جومعن. قالوا: وإنما قلنا ذلك لأن غير المدخول بهن في المتعة قد بينها الله تعالى ذكره في الآيات قبلها، فعلمنا بذلك أن في هذه الآية بيان أمر المدخول بهن في ذلك. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء في قوله: { وللمطلقت متع بالمعروف حقا على المتقين } قال: المرأة الثيب يمتعها زوجها إذا جامعها بالمعروف. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله، وزاد فيه: ذكره شبل، عن ابن أبى نجيح، عن عطاء. وقال آخرون: بل في هذه الآية دلالة على أن لكل مطلقة متعة. وإنما أنزلها الله تعالى ذكره على نبيه صلى الله عليه وسلم لما فيها من زيادة المعنى الذي فيها على ما سواها من آي المتعة، إذ كان ما سواها من آي المتعة إنما فيه بيان حكم غير الممسوسة إذا طلقت، وفي هذه بيان حكم جميع المطلقات في المتعة. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا أيوب، عن سعيد بن جبير في هذه الآية: { وللمطلقت متع بالمعروف حقا على المتقين } قال: لكل مطلقة متاع بالمعروف حقا على المتقين. حدثنا المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا يونس عن الزهري في الأمة يطلقها زوجها وهي حبلى، قال: تعتد في بيتها، وقال: لم أسمع في متعة المملوكة شيئا أذكره، وقد قال الله تعالى ذكره: { متاع بالمعروف حقا على المتقين } ولها المتعة حتى تضع. حدثني المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المباوك، قال: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، قال: قلت له: أللأمة من الحر متعة؟ قال: لا. قلت: فالحرة عند العبد؟ قال: لا. وقال عمرو بن دينار: نعم، { وللمطلقات متاع بالمعروف على المتقين } وقال آخرون: إنما نزلت هذه الآية، لأن الله تعالى ذكره لما أنزل قوله:

ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين

अज्ञात पृष्ठ