435

والذي نختار في ذلك من قول القراء قراءة من قرأ: { ويشهد الله على ما في قلبه } بمعنى يستشهد الله على ما في قلبه، لإجماع الحجة من القراء عليه. القول في تأويل قوله تعالى: { وهو ألد الخصام }. الألد من الرجال: الشديد الخصومة، يقال في «فعلت» منه: قد لددت يا هذا ولم تكن ألد، فأنت تلد لددا ولدادة فأما إذ غلب من خاصمه، فإنما يقال فيه: لددت يا فلان فلانا فأنت تلده لدا، ومنه قول الشاعر:

ثم أردي وبهم من تردي

تلد أقران الخصوم اللد

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: تأويله: أنه ذو جدال. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: ثني محمد بن أبي محمد، قال: ثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: { وهو ألد الخصام } أي ذو جدال إذا كلمك وراجعك. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { وهو ألد الخصام } يقول: شديد القسوة في معصية الله جدل بالباطل، وإذا شئت رأيته عالم اللسان جاهل العمل يتكلم بالحكمة ويعمل بالخطيئة. حدثنا الحسن بن يحيى. قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { وهو ألد الخصام } قال: جدل بالباطل. وقال آخرون: معنى ذلك أنه غير مستقيم الخصومة ولكنه معوجها. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { وهو ألد الخصام } قال: ظالم لا يستقيم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قال الألد الخصام: الذي لا يستقيم على خصومة. حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: ألد الخصام: أعوج الخصام. قال أبو جعفر: وكلا هذين القولين متقارب المعنى، لأن الاعوجاج في الخصومة من الجدال واللدد. وقال آخرون: معنى ذلك: وهو كاذب في قوله. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا وكيع، عن بعض أصحابه، عن الحسن، قال: الألد الخصام: الكاذب القول. وهذا القول يحتمل أن يكون معناه معنى القولين الأولين إن كان أراد به قائله أنه يخاصم بالباطل من القول والكذب منه جدلا واعوجاجا عن الحق. وأما الخصام: فهو مصدر من قول القائل: خاصمت فلانا خصاما ومخاصمة. وهذا خبر من الله تبارك وتعالى عن المنافق الذي أخبر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أنه يعجبه إذا تكلم قيله ومنطقه، ويستشهد الله على أنه محق في قيله ذلك لشدة خصومته وجداله بالباطل والزور من القول.

[2.205]

يعني بقوله جل ثناؤه: { وإذا تولى } ، وإذا أدبر هذا المنافق من عندك يا محمد منصرفا عنك. كما: حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، قال: ثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: { وإذا تولى } قال: يعني: وإذا خرج من عندك سعى. وقال بعضهم: وإذا غضب. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج قال: قال ابن جريج في قوله: { وإذا تولى } قال: إذا غضب. فمعنى الآية: وإذا خرج هذا المنافق من عندك يا محمد غضبان عمل في الأرض بما حرم الله عليه، وحاول فيها معصية الله، وقطع الطريق، وإفساد السبيل على عباد الله، كما قد ذكرنا آنفا من فعل الأخنس بن شريق الثقفي الذي ذكر السدي أن فيه نزلت هذه الآية من إحراقه زرع المسلمين وقتله حمرهم. والسعي في كلام العرب العمل، يقال منه: فلان يسعى على أهله، يعني به يعمل فيما يعود عليهم نفعه ومنه قول الأعشى:

وسعى لكندة سعي غير مواكل

قيس فضر عدوها ونبالها

يعني بذلك: عمل لهم في المكارم. وكالذي قلنا في ذلك كان مجاهد يقول. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله { وإذا تولى سعى } قال: عمل. واختلف أهل التأويل في معنى الإفساد الذي أضافه الله عز وجل إلى هذا المنافق، فقال بعضهم: تأويله ما قلنا فيه من قطعه الطريق وإخافته السبيل، كما قد ذكرنا قبل من فعل الأخنس بن شريق. وقال بعضهم : بل معنى ذلك قطع الرحم وسفك دماء المسلمين. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج في قوله: { سعى في الأرض ليفسد فيها } قطع الرحم، وسفك الدماء، دماء المسلمين، فإذا قيل: لم تفعل كذا وكذا؟ قال أتقرب به إلى الله عز وجل. والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تبارك وتعالى وصف هذا المنافق بأنه إذا تولى مدبرا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمل في أرض الله بالفساد. وقد يدخل في الإفساد جميع المعاصي، وذلك أن العمل بالمعاصي إفساد في الأرض، فلم يخصص الله وصفه ببعض معاني الإفساد دون بعض. وجائز أن يكون ذلك الإفساد منه كان بمعنى قطع الطريق، وجائز أن يكون غير ذلك، وأي ذلك كان منه فقد كان إفسادا في الأرض، لأن ذلك منه لله عز وجل معصية. غير أن الأشبه بظاهر التنزيل أن يكون كان يقطع الطريق، ويخيف السبيل، لأن الله تعالى ذكره وصفه في سياق الآية بأنه سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل، وذلك بفعل مخيف السبيل أشبه منه بفعل قطاع الرحم.

القول في تأويل قوله تعالى: { ويهلك الحرث والنسل }. اختلف أهل التأويل في وجه إهلاك هذا المنافق، الذي وصفه الله بما وصفه به من صفة إهلاك الحرث والنسل فقال بعضهم: كان ذلك منه إحراقا لزرع قوم من المسلمين وعقرا لحمرهم. حدثني بذلك موسى بن هارون، قال: ثني عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط عن السدي. وقال آخرون بما. حدثنا به أبو كريب، قال: ثنا عثام، قال: ثنا النضر بن عربي، عن مجاهد: { وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل } الآية، قال: إذا تولى سعى في الأرض بالعدوان والظلم، فيحبس الله بذلك القطر، فيهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد. قال: ثم قرأ مجاهد:

अज्ञात पृष्ठ