1008

[4.168-169]

يعني بذلك جل ثناؤه: إن الذين جحدوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وكفروا بالله بجحود ذلك وظلموا بمقامهم على الكفر، على علم منهم بظلمهم عباد الله، وحسدا للعرب، وبغيا على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، { لم يكن الله ليغفر لهم } يعني: لم يكن الله ليعفو عن ذنوبهم بتركه عقوبتهم عليها، ولكنه يفضحهم بها بعقوبته إياهم عليها. { ولا ليهديهم طريقا } يقول: ولم يكن الله تعالى ذكره ليهدى هؤلاء الذين كفروا وظلموا، الذين وصفنا صفتهم، فيوفقهم لطريق من الطرق التي ينالون بها ثواب الله، ويصلون بلزومهم إياه إلى الجنة، ولكنه يخذلهم عن ذلك، حتى يسلكوا طريق جهنم. وإنما كني بذكر الطريق عن الدين وإنما معنى الكلام: لم يكن الله ليوفقهم للإسلام، ولكنه يخذلهم عنه إلى طريق جهنم، وهو الكفر، يعني: حتى يكفروا بالله ورسله، فيدخلوا جهنم خالدين فيها أبدا، يقول: مقيمين فيها أبدا. { وكان ذلك على الله يسيرا } يقول: وكان تخليد هؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم في جهنم على الله يسيرا، لأنه لا يقدر من أراد ذلك به على الامتناع منه، ولا له أحد يمنعه منه، ولا يستصعب عليه ما أراد فعله به، من ذلك، وكان ذلك على الله يسيرا، لأن الخلق خلقه، والأمر أمره.

[4.170]

يعني بقوله جل ثناؤه: { يا أيها الناس } مشركي العرب، وسائر أصناف الكفر. { قد جاءكم الرسول } يعنى: محمدا صلى الله عليه وسلم، قد جاءكم { بالحق من ربكم } يقول: بالإسلام الذى ارتضاه الله لعباده دينا، يقول: من ربكم: يعني من عند ربكم. { فآمنوا خيرا لكم } يقول: فصدقوه وصدقوا بما جاءكم به من عند ربكم من الدين، فإن الإيمان بذلك خير لكم من الكفر به. { وإن تكفروا } يقول: وإن تجحدوا رسالته، وتكذبوا به وبما جاءكم به من عند ربكم، فإن جحودكم ذلك وتكذيبكم به لن يضر غيركم، وإنما مكروه ذلك عائد عليكم دون الله الذي أمركم بالذي بعث به إليكم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، وذلك أن { لله ما في السموات والأرض } ملكا وخلقا، لا ينقص كفركم بما كفرتم به من أمره، وعصيانكم إياه فيما عصيتموه فيه من ملكه وسلطانه شيئا. { وكان الله عليما حكيما } يقول: وكان الله عليما بما أنتم صائرون إليه من طاعته فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه ومعصيته فى ذلك، وعلى علم منه بذلك منكم أمركم ونهاكم. { حكيما } يعني: حكيما فى أمره إياكم بما أمركم به وفي نهيه إياكم عما نهاكم عنه، وفي غير ذلك من تدبيره فيكم وفي غيركم من خلقه. واختلف أهل العربية في المعنى الذي من أجله نصب قوله: { خيرا لكم } فقال بعض نحويي الكوفة: نصب خيرا على الخروج مما قبله من الكلام، لأن ما قبله من الكلام قد تم، وذلك قوله : { فآمنوا } ، وقال: قد سمعت العرب تفعل ذلك في كل خبر كان تاما ثم اتصل به كلام بعد تمامه على نحو اتصال «خير» بما قبله، فتقول: لتقومن خيرا لك، ولو فعلت ذلك خيرا لك، واتق الله خيرا لك. قال: وأما إذا كان الكلام ناقصا، فلا يكون إلا بالرفع كقولك: إن تتق الله خير لك، و

وأن تصبروا خير لكم

[النساء: 25].وقال آخر منهم: جاء النصب في «خير»، لأن أصل الكلام: فآمنوا هو خير لكم، فلما سقط «هو» الذي هو مصدر اتصل الكلام بما قبله، والذي قبله معرفة و«خير» نكرة، فانتصب لاتصاله بالمعرفة، لأن الإضمار من الفعل: قم فالقيام خير لك، ولا تقم فترك القيام خير لك فلما سقط اتصل بالأول. وقال: ألا ترى أنك ترى الكناية عن الأمر تصلح قبل الخبر، فتقول للرجل: اتق الله هو خير لك، أي الاتقاء خير لك. وقال: ليس نصبه على إضمار «يكن»، لأن ذلك يأتي بقياس يبطل هذا، ألا ترى أنك تقول: اتق الله تكن محسنا، ولا يجوز أن تقول: اتق الله محسنا، وأنت تضمر «كان»، ولا يصلح أن تقول: انصرنا أخانا، وأنت تريد: تكن أخانا.

وزعم قائل هذا القول أنه لا يجيز ذلك إلا في «أفعل» خاصة، فتقول: افعل هذا خيرا لك، ولا تفعل هذا خيرا لك وأفضل لك ولا تقول: صلاحا لك. وزعم أنه إنما قيل مع «أفعل»، لأن «أفعل» يدل على أن هذا أصلح من ذلك. وقال بعض نحويي البصرة: نصب «خيرا» لأنه حين قال لهم: آمنوا، أمرهم بما هو خير لهم، فكأنه قال: اعملوا خيرا لكم، وكذلك: انتهوا خيرا لكم، قال: وهذا إنما يكون في الأمر والنهي خاصة، ولا يكون في الخبر، لا تقول: أن أنتهي خيرا لي، ولكن يرفع على كلامين لأن الأمر والنهي يضمر فيهما، فكأنك أخرجته من شيء إلى شيء، لأنك حين قلت له انته، كأنك قلت له: أخرج من ذا، وادخل في آخر واستشهد بقول الشاعر عمر بن أبي ربيعة:

فواعديه سرحتي مالك

أو الربا بينهما أسهلا

كما تقول: واعديه خيرا لك. قال: وقد سمعت نصب هذا في الخبر، تقول العرب: آتي البيت خيرا لي وأتركه خيرا لي، وهو على ما فسرت لك في الأمر والنهي. وقال آخر منهم: نصب «خيرا» بفعل مضمر، واكتفى من ذلك المضمر بقوله: لا تفعل هذا وافعل الخير، وأجازه في غير «أفعل»، فقال: لا تفعل ذاك صلاحا لك. وقال آخر منهم: نصب «خيرا» على ضمير جواب: يكن خيرا لكم، وقال: كذلك كل أمر ونهي.

अज्ञात पृष्ठ