1007

إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح والنبيين من بعده

[النساء: 163] ومن ذكر من الرسل { رسلا } فنصب به الرسل على القطع من أسماء الأنبياء الذين ذكر أسماءهم. { مبشرين } يقول: أرسلتهم رسلا إلى خلقي وعبادي مبشرين بثوابي من أطاعني واتبع أمري وصدق رسلي، { ومنذرين } عقابي من عصاني وخالف أمري وكذب رسلي. { لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } يقول: أرسلت رسلي إلى عبادي مبشرين ومنذرين، لئلا يحتج من كفر بي وعبد الأنداد من دوني، أو ضل عن سبيلي بأن يقول إن أردت عقابه:

لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى

[طه: 134]، فقطع حجة كل مبطل ألحد في توحيده وخالف أمره بجميع معاني الحجج القاطعة عذره، إعذارا منه بذلك إليهم، لتكون لله الحجة البالغة عليهم وعلى جميع خلقه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } فيقولوا: ما أرسلت إلينا رسلا. { وكان الله عزيرا حكيما } يقول: ولم يزل الله ذا عزة في انتقامه ممن انتقم من خلقه على كفره به ومعصيته إياه بعد تثبيته حجته عليه برسله وأدلته، حكيما في تدبيره فيهم ما دبره.

[4.166]

يعني بذلك جل ثناؤه: إن يكفر بالذي أوحينا إليك يا محمد اليهود الذين سألوك أن تنزل عليهم كتابا من السماء، وقالوا لك: ما أنزل الله على بشر من شيء فكذبوك، فقد كذبوا ما الأمر، كما قالوا: لكن الله يشهد بتنزيله إليك ما أنزله من كتابه ووحيه، أنزل ذلك إليك بعلم منه بأنك خيرته من خلقه وصفيه من عباده، ويشهد لك بذلك ملائكته، فلا يحزنك تكذيب من كذبك، وخلاف من خالفك. { وكفى بالله شهيدا } يقول: وحسبك بالله شاهدا على صدقك دون ما سواه من خلقه، فإنه إذا شهد لك بالصدق ربك لم يضرك تكذيب من كذبك. وقد قيل: إن هذه الآية نزلت في قوم من اليهود دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى أتباعه، وأخبرهم أنهم يعلمون حقيقة نبوته، فجحدوا نبوته وأنكروا معرفته. ذكر الخبر بذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، قال: ثني سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من يهود، فقال لهم:

" إنى والله أعلم أنكم لتعلمون أنى رسول الله "

فقالوا: ما نعلم ذلك. فأنزل الله: لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني ابن إسحاق، قال: ثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة وسعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم عصابة من اليهود، ثم ذكر نحوه. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا } شهود والله غير متهمة.

[4.167]

يعني بذلك جل ثناؤه: إن الذين جحدوا يا محمد نبوتك بعد علمهم بها من أهل الكتاب الذين اقتصصت عليك قصتهم، وأنكروا أن يكون الله جل ثناؤه أوحى إليك كتابه، { وصدوا عن سبيل الله } يعني عن الدين الذي بعثك الله به إلى خلقه وهو الإسلام. وكان صدهم عنه: قيلهم للناس الذين يسألونهم عن محمد من أهل الشرك: ما نجد صفة محمد في كتابنا، وادعاءهم أنهم عهد إليهم أن النبوة لا تكون إلا في ولد هارون ومن ذرية داود، وما أشبه ذلك من الأمور التي كانوا يثبطون الناس بها عن اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم والتصديق به وبما جاء به من عند الله. وقوله: { قد ضلوا ضلالا بعيدا } يعني: قد جاروا عن قصد الطريق جورا شديدا، وزالوا عن المحجة. وإنما يعني جل ثناؤه بجورهم عن المحجة، وضلالهم عنها: إخطاءهم دين الله الذي ارتضاه لعباده وابتعث به رسله، يقول: من جحد رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وصد عما بعث به من الملة من قبل منه، فقد ضل فذهب عن الدين الذي هو دين الله الذي ابتعث به أنبياءه ضلالا بعيدا.

अज्ञात पृष्ठ