157

इलियड

الإلياذة

शैलियों

بعد ذلك قتل أينياس اثنين من أبطال الدانيين، هما ابنا «ديوكليس»: «كريثون» و«أورسليوخوس»، اللذان كان يعيش والدهما في فيراي المتينة البناء، وهو رجل واسع الثراء من حيث المادة، أما من جهة النسب فإنه ينحدر من نهر الفيوس المتدفق وسط مجرى فسيح خلال بلاد البوليين، وقد أنجب «أورسيلوخوس» ليصير ملكا على كثير من الأقوام، ثم أنجب هذا «ديوكليس» العظيم النفس، فولد للأخير ذكران توأمان هما: كريثون، وأورسيلوخوس، البالغ المهارة في شتى ضروب القتال. فلما بلغ التوءمان مبالغ الرجال، ذهبا مع الأرجوسيين في السفن السوداء إلى طروادة الذائعة الصيت بجيادها؛ كي ينالا تعويضا عن ولدي أتريوس، أجاممنون ومينيلاوس. بيد أن الموت اختطفهما في تلك البلاد. فكانا كأسدين نشأتهما أمهما في أحراش غابة كثيفة فوق قمم الجبال، فكانا يفترسان الماشية والخراف السمينة، ويعيثان فسادا بين جموع البشر، فقتلهما البشر بواسطة الرماح البرونزية الحادة. وهكذا مات هذان التوءمان بيد أينياس، وسقطا كما تسقط أشجار الحور الباسقة.

بيد أنه ما إن سقطا حتى أشفق عليهما مينيلاوس العزيز لدى أريس، فأخذ يجول بين محاربي المقدمة، مرتديا البرونز اللامع، يلوح برمحه، وقد أثار أريس حميته حتى يلقى حتفه على يدي أينياس. ولكن «أنتيلوخوس»، ابن نسطور العظيم النفس، أبصر به، فسار وسط محاربي الصفوف الأمامية؛ لأنه كان يخاف على راعي الجيش خوفا شديدا من أن يلحقه أذى، فراح يعوق جهودهم إعاقة شاملة. وقد رقد أينياس ومينيلاوس يرفعان أيديهما ورمحيهما الواحد في مواجهة الآخر متلهفين على القتال، بينما اقترب «أنتيلوخوس» من راعي الجيش. وعندئذ لم يثبت أينياس، رغم كونه محاربا شديد المراس، لما رأى بطلين يواجهانه جنبا إلى جنب، فانسحب من القتال. أما هما فبعد أن جرا جثتي التعسين نحو جيش الآخيين وضعاهما بين أيدي زملائهما، ثم عادا ليقاتلا بين الصفوف الأمامية.

بعد ذلك قتل الاثنان «بولايمينيس»، غريم أريس، وقائد حاملي التروس العظيمي النفوس البافلاجونيين، ففيما كان يقف ساكنا، إذا بمينيلاوس بن أتريوس، الشهير باستخدام الرمح، يطعنه برمحه فوق عظم الترقوة، بينما صوب أنتيلوخوس ضربة إلى خادمه وسائق عربته «مودون»، أعظم أبناء «أتومنيوس»، بينما كان يدور بخيوله ذات الحوافر الفردية، فأصابه بحجر فوق المرفق تماما، فسقطت الأعنة، التي في بياض العاج، من يديه إلى ثرى الأرض. عندئذ وثب أنتيلوخوس فوقه، وغيب سيفه في صدغه، فسقط من فوق العربة على أم رأسه وكتفيه طريحا في الثرى. وظل على هذا الوضع هناك فترة طويلة - إذ وقع فوق رمل عميق - حتى وطئته خيوله، وألقته على الأرض فوق الثرى، فضربها أنتيلوخوس بالسوط، وساقها إلى جيش الآخيين.

ولكن هكتور أبصر بها بين الصفوف، فهجم عليها وهو يصيح عاليا. وقد تبعته فرق الطرواديين القوية، يقودها «أريس» والملكة أينيو، التي كان يسير في ركابها إله «ضجيج الحرب» العديم الرحمة، بينما راح أريس يلوح برمح عظيم في يديه، ويسير تارة أمام هكتور وتارة أخرى وراءه.

فلما رآه ديوميديس، البارع في صيحة الحرب، ارتعدت فرائصه وأعضاؤه، وكما يقف من يجتاز سهلا فسيحا، هيابا، أمام نهر سريع الجريان تتدفق مياهه إلى البحر، وقد أبصر الزبد يعلو مياهه الثائرة ، هكذا تراجع ابن تيديوس، وخاطب الجيش بقوله: «أيها الأصدقاء، أرأيتم كيف كنا نعجب دائما بهكتور العظيم، ونعده رجل الرمح والمقاتل المقدام؛ إذ كان إلى جانبه أحد الآلهة يدرأ عنه السوء - كما يقف أريس الآن إلى جانبه في صورة إنسان؟ - هيا إذن تراجعوا إلى الخلف، ووجوهكم شطر الطرواديين، وحذار أن يأخذكم الحماس لتقاتلوا ضد الآلهة.»

وإذ خاطبهم على هذا النحو، واقترب منهم الطرواديون حتى صاروا على قيد خطوات، قتل هكتور اثنين من أبرع المقاتلين والمحاربين الأفذاذ، هما «مينيستيس» و«أنخيالوس»، اللذان كانا في عربة واحدة. وما إن سقطا حتى رثى لهما أياس التيلاموني، فاقترب منهما، وبضربة من رمحه اللامع أصاب «أمفيوس»، ابن «سيلاجوس»، الذي كان يقيم في بايسوس، وكان غنيا في المادة، غنيا في حقول القمح، ولكن القدر ساقه ليمد يد المساعدة لبريام وأولاده. فضرب أياس التيلاموني فوق حزامه في الجزء الأسفل من البطن، فسقط يتخبط. عندئذ اندفع أياس نحوه ليجرده من حلته الحربية، فأمطره الطرواديون وابلا من رماحهم الحادة اللامعة، فتلقى ترسه كثيرا منها، لكنه ثبت عقبه فوق الجثة، وجذب الرمح البرونزي، غير أنه لم يستطع أن ينزع عن الكتفين باقي العدة الحربية الجميلة؛ إذ كان مثخنا بالقذائف. وفضلا عن ذلك، فقد كان يخاف حراب الطرواديين الأمجاد. الذين التفوا حوله في جموع غفيرة وبشجاعة فذة، شاهرين الرماح، ورغم طوله الفارع، وقوته وجلاله، فإنهم دفعوه بعيدا عنهم، فتراجع وهو يترنح.

هكذا أبلي هؤلاء في الصراع العنيف، غير أن «تليبوليموس»، ابن هرقل، الطويل المقدام، ساقه القدر المحتوم ضد «ساربيدون» الشبيه بالآلهة. وبينما كان يتقدم كل منهما نحو الآخر - ابن زوس، جامع السحب، وحفيده - بدأ «تليبوليموس» يتكلم أولا قائلا: «أيا ساربيدون، يا مستشار اللوكيين، ماذا يضطرك إلى الاختفاء هنا، كرجل غير كفء للقتال؟ يكذب من يقول إنك منحدر من زوس حامل الترس، فإني أراك تقل كثيرا عن المحاربين المنحدرين من زوس في عصور قدامى الرجال. يقول الناس إن أبي هرقل القوي، البارع في القتال، كان من نوع آخر، كان ذا قلب أسد، وقدم إلى هنا ذات مرة ليسلب جياد الملك «لايميدون» ولم تكن معه غير ست سفن فقط، وعدد قليل من المحاربين، ومع ذلك فقد خرب مدينة طروادة، وجعل طرقاتها يبابا. إنك لجبان القلب، ورجالك يرتجفون ذعرا. وإني لأعتقد أن مجيئك من لوكيا لن يجدي في الدفاع عن رجال طروادة شيئا، وأنك لست بالقوي أبدا، وأن يدي ستقهرانك، فتجتاز أبواب هاديس.»

فأجابه «ساربيدون»، قائد اللوكيين بقوله: «أي تليبوليموس، لا مراء في أن والدك قد دمر طروادة المقدسة بسبب حمق الرجل العظيم «لايميدون». الذي عنفه بعبارات لاذعة، كانت ذات أثر حميد، لكنه لم يحظ بالجياد التي قدم من أجلها مجتازا الفيافي النائية. أما أنت فسوف تنال الموت والمصير الأسود على يدي، وبعد أن يصرعك رمحي تنيلني المجد، وتذهب روحك إلى هاديس ذات الجياد الكريمة!»

وإذا قال ساربيدون ذلك، رفع تليبوليموس رمحه الدرداري، فانطلقت الرماح الطويلة من أيديهما في لحظة واحدة، فأصابه ساربيدون فوق عنقه تماما، ونفذت السن البغيضة في الحال، وخيمت ظلمة الليل فطوته. أما تليبوليموس فقد أصاب ساربيدون برمحه الطويل، فوق فخذه اليسرى، ونفذت السن بسرعة حتى وصلت إلى العظم، ولكن أباه أنقذه من الهلاك.

بعدئذ جاء الزملاء الأجلاء وحملوا زميلهم ساربيدون شبيه الإله بعيدا عن ميدان القتال، وكان الرمح الطويل يؤلمه غاية الألم وهم يسحبونه، ولكن أحدا منهم لم يلحظ ذلك أو يفكر في أن ينزع الرمح من فخذه، لفرط عجلتهم، كي يستطيع الوقوف على قدميه، إذ كان كل همهم إسعافه.

अज्ञात पृष्ठ