इहतिरास
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
نعم سيأتي إن شاء الله تعالى تمسك المعترض بالكسب ظنا منه أن دعواه تنفعه، وأنه لا بأس بكون أعمال العباد أعمالا له تعالى، وأنه من قبيل مقدور بين قادرين، من جهتين مختلفتين كما مر، وقد عرفت سقوطه سابقا، وأن السعد التفتازاني اعترف اعترافا صريحا بأنها إنما دعت الحاجة إلى التقصي عن مضيق اللزوم لمقدور بين قادرين في أفعال العباد بزعمه، وأما المقام فلا حاجة [456]تدعوا إلى ارتكاب ذلك لإمكان............خلق الله تعالى إلى الجواهر والتي هي الأشكال إمكانا لا عوج فيه ولاريب ولا إشكال، بل هو مقتضى الآية ومفهومها، كما يدل على ذلك قوله تعالى: {الذي فطرهن} فقد نهت على أن الفطر إنما ينصرف إلى مجرد الجواهر، فإن الأشكال الحادثة بفعل العباد لايصح أن يطلق عليها لفظ الفطر، ولو فرضنا أنها حاصلة بخلق الله تعالى كما هو مذهب المجبرة؛ لأن كل ما للعباد فيه دخل لا يطلق عليه الفطر أصلا كما مر، لايقال أنه لا دخل للعباد في نفس الأشكال عند المجبرة لخروجها عن محل القدرة، وكل ما كان خارجا عن محل قدرة العبد فلا يكون له دخل فيه؛ لأنه ليس مكسوبا، فلا يكون منسوبا بل يكون من أفعال الله تعالى بلا واسطة كسب، بل ابتداء عندهم كما مر وسيأتي، وحينئذ فيصح أن يطلق عليه اسم الفطر والإختراع؛ لأنا نقول: هذه حجة على الخصم لا حجة له؛ لأن الله تعالى قد نسب الأشكال المذكورة إلىالعباد وأضافها إليهم كسائر ما نسبه إلى العباد من الأفعال الخارجة عن محل الكسب والقدرة الكاسبة، فلزم من ذلك أنها من أفعال العباد بطريق التحصيل، لا بطريق الكسب وهو المطلوب، ثم نقول: أن الله سبحانه لم يطلق اسم الفطر إلا على ما هو خلق له تعالى بغير واسطة بل ابتداء فيلزم من ذلك أن الخلق في الآية التي نحن بصددها متوجه إلى نفس الجواهر التي لا دخل للعباد في تحصيل شيء منها كما مر، ثم أن الذي يوضح هنا بطلان تشبثهم بالكسب ونفيه له في الحقيقة هو أنهم قد قالوا بأنه عبارة عن كون العبد محلا لما يخلقه الله فيه، مع ثبوت قدره وإراده للعبد غير مؤثرين فيما يخلقه الله فيه من الفعل كما مر وتكرر.
पृष्ठ 972