इहतिरास
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
وأما قوله: ففتشنا عن هذا الأمر فقد عرفت ما فيه، وكيف يكون كسب الأشعري الذي ماحدث ذكره غلا في أوآخر القرن الثالث، هو الذي دار عليه التكليف في اعتقاد السلف الصالح، وهو على أنه ليس من هدى محمد عليه الصلات والسلام، وإنما هو من محدثات الأمور ليس إلا مجرد اسم كما كررنا ذكر ذلك، وإلا لما سكت عن ذكره خير القرون، بل ليس شيئا يذكر حتى يقال سكتوا عن ذكره، وكفى بكلام الله تعالى سندا، وبهدى محمد عليه الصلاة والسلام هدى، وإذا كان قد سكت عنه القرآن وخير القرون فماهو إلا من محدثات الأمور التي اتباعها بالضلال مقرون، وقد حاول كبار الأشاعرة أن يقيموا ميزانه ويقعدوا بيانه فما قدروا يوضحوه بأكثر من المحلية أي كون العبد محلا لما يخلقه الله تعالى فيه، ولهذا جزموا بأن الكسب لايتعدى عن المحل لعلمهم أنه ليس شيئا وراء المحلية فافهمه، وسيأتي توضيحه في مقام آخر إن شاء الله تعالى ، ومن العجائب ما زعمه بعض الأشاعرة من أن كسب الأشعري هو المذكور في كتاب الله سبحانه كقوله تعالى: {هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون} وقوله تعالى: {ولا تكسب كل نفس إلا عليها..} الآية. ومن .........ثم يرم به ......الآية، فكان هذا البعض حسب أن القرآن أنزل على اصطلاح الأشعري لا على اللغة العربية، إذ المعلوم من أن اللغة أن اسم الكتب اسم العمل، واسم الفعل اسماء مترادفة ، وإنما يطلق اسم الكسب على العبد؛ لأنه فعل جارحة، والجوارح[429] في اللغة تسمى كواسب، كما في صحاح الجوهري وغيره، والمعترض جرى على ما جرى عليه هذا البعض من المتعصبين، فقوله: الذي عبر عنه في الكتاب.. إلخ. من هذا الباب، فإن كان المعترض مطلقا على اللغة فقد أراد زيادة التلبيس بجعله لاصطلاح الأشعري معلوماص من القرآن، وإن كان جاهلا باللغة كما هو شأن كثير من الأكراد، فكفى بجهله داء سابقا عن هذا وعما هو أولى منه بالنظر، فإن القرآن ما نزل إلا بلغة العرب، والمتكلم في معانيه وهو جاهل باللغة يقع في خبط عشواء يضحك على نفسه العقلاء الكملاء، هذا ولا يخفا عليك أن لفظ الكسب المذكور في القرآن لو كان دليلا على كسب الأشعري لكان لفظ الأثر المذكور في القرآن أيضا دليلا لنا على تأثير العبد في أفعاله، قال تعالى: {ونكتب ما قدموا وآثارهم} على أن في مثل هذه الآية دليلا لنا من من وجه آخر وهو أن الآثار التي ذكرها المفسرون خارجة عن محل الكسب، وقد أضافها الله إليهم فهذه الإضافة إضافة التأثير إجماعا؛ لأن الكسب لا يتعدى عن المحل، فأين أنت يا أخا الأكراد عن مثل هذه الآية؟ ولها نظائر وأشباه ظاهرة لذوي الإنتباه.
وأما قوله: وهو تعلق قدرته وإرادته فتلبيس؛ لأن التعلق عندهم ليس إلا من الله تعالى لا من العبد، وبالجملة فالفعل بجميع جهاته مخلوق لله تعالى ولا اثر للعبد في شيء مما كررناه، وسيصرح بذلك المعترض فيما سيأتي إن شاء الله تعالى.
पृष्ठ 917