689

وقولنا: علة هذا الشيء هو كونه ليس إلا إياه وهو معنى قولنا: ليس غيره، وهذا مع كونه مما لا يقول به عاقل يلزم منه اتحاد ماهية الحسن والقبيح أيضا لكون كل واحد منها ليس غيره فيحسن القبيح لكونه ليس غيره، ويقبح الحسن لذلك فلا يتصور تمام الماهية حسن ولا قبيح، فظهر أنه لا قائل بهذا القول على ما فهمه المعترض وغيره، وإنما أرادت البغدادية ملاحظة جعل الوجوه والاعبتارات في تمام الذات أي ذات الفعل بحسب العقل، فالظلم مثلا قبحه عندهم وأتى بمعنى أنه لا يكون ظلما إلا وهو قبيح في ذاته أي لا يكون ضررا خالصا أو لا وذاته قبيحه ولا كلام في أنهم ملاحظون وقوعه على الوجه الذي صار معه ظلما كالبصرية، فلا خلاف أصلا كما مر، أولا ترى أنهم جيمعا مصرحون بأن الكذب يقبح لكونه كذبا أي إخبارا بالشيء لا على ماهية، وبعضهم يريد تلك الزيادة التي عرفتها آنفا، وأن الظلم يقبح لكونه ضررا عاديا عن نفع ودفع واستحقاق وهذه قيود واعتبارات لا محالة لازمة في المذهبين معتبرة عن أهل القولين وهم مصرحون بذلك في مواضع من كتبهم الكلامية، غاية ما في الباب أن هؤلاء ملاحظون مجموع القيد والمقيد من حيث كونه كذلك جاعلون لهما شيئا واحدا، وذاتا مستقلة، وهؤلاء نظروا إلى أن القيد لا يحسن ولا يقبح إلا مع القيد لما علمت من أن مجرد الأكوان لا يصح أن يكون مناطا لحسن ولا قبح، لكنهم لم يلحظوا المجموع من حيث كونه مجموعا كالأولين، وإنما جعلوا نفس المقيد ذاتا مستقلة عن القيود، والقيود خارجة عنها، فهما شيئان -أعني المقيد والقيود- بل أشياء والخلاف لفظي كما حققه غير واحد، ولهذا تجد كلام بعض الإمامية في هذا البحث متلونا تارة مثل كلام البصرية، وتارة مثل كلام البغدادية لعلمهم أنه لا فرق بين المذهبين إلا من حيث العبارات والاعتبارات، وكذا ابن القيم رحمه الله تعالى لم يفرق بين المذهبين كما يظهر لك من عباراته التي سقناها سابقا، ويبنغي أن يعلم اتفاقهم على أنه لا يلزم معرفة جميع الاعتبارات كما سبقت إشارة إلى ذلك، فلا يرد نحو ما توهمه المعترض في النسخ من الحرمة إلى الوجوب وغير ذلك، وقد كفيناك مؤنة البحث فما سلف وأزلنا عنه غطاؤه، وإنما أرادنا هنا تحديد فأئدة وتأكيد قادعة، فلتكن منك على ذكر وفكرة مساعدة، ولنرجع إلى خصوص كلام المعترض ونوضح طرفا من فساده غير ما سبق ضمنا على ما حكاه عن أهل مذهبه واعتقاده، فنقول: قد اعترف الشيخ ابن الحاجب، والقاضي العضد ومن تبعهما من أهل الحواشي أن هذا الاحتجاج الذي أورده المعترض لا ينتهض على الجبائية القائلين بالوجوه والاعتبارات، ومنهم المؤلف أعني ممن يقول بالوجوه والاعتبارات فاستدلال المعترض مستندا إلى الكذب المتخلف عنه القبح كما زعم، جدير بأن يقال فيه أن مستنده الكذب، ولذا لم يعتمده الباقلاني، والجويني وغيرهما إلا على القائلين بالحسن والقبح الذاتيين، وهذا المعترض جعل الإيراد بمحاذاة هذا القول، وكلامه الأول... مذهب القائلين بالوجوه والإعتبارات، ألا تراه حكى عن المعتزلة [361] أن للفعل جهة محسنة وهذا أنسب بأن يكون هو مذهب الوجوه والإعتبارات لا مذهب الذات، فقد انعكس على المعترض كلام أصحابه الأشاعرة ووقع في هذه الغلطة الظاهرة.

فإن قلت: أليس قد قررت أن مرجع القول بالوجوه والإعتبارات، ومرجع القول بالذات إلى معنى واحد من دون فرق بينهما؟

قلت: نعم، لا فرق بينهما في التحقيق، لكن الأشاعرة ومنهم هذا المعترض قد زعموا أن بينهما فرقا يبتني عليه مثل هذا الذي أشارنا إليه -أعني ما نقلناه عن ابن الحاجب والعضد وغيرهما- فالمعترض قد بنى على هذا الغلط فقد وقع في غلط آخر غير ما وقع فيه الأشاعرة من الغلط الذي وقع فيه أيضا بعض المتأخرين من المعتزلة؛ لأنهم اعتمدوا على ما وجدوه في بعض كتب الأشاعرة، وهو خلاف الحق والتحقيق، فأنت قد عرفت أنه لا قائل بالحسن والقبح ذاتا على ما فهموه فسقط جميع ما حاولوه، ويكون اعتراف ابن الحاجب والعضد وغيرهم بعدم نهوض هذا الاحتجاج على الجبائية، إقرار منهم بعدم نهوضه على المذهبين، وإعلانا بسقوطه وضعف دخوله في البين، وليكن كلام المعترض مساقطة على درجتين، لا يقال قد أشارنا في الإيراد إلى مذهب الوجوه والإعتبارات حيث قال، أو بواسطة لازم الذات؛ لأنا نقول: هذا تخليط ناش عن جهل بسيط.

पृष्ठ 775