688

وأما ما أورده بعض أهل العدل على هذا الجواب من أنه يلزم منه أن يكون الكذب العادي عن النفع والدفع، غير قبيح لكونه كذبا، بل لأجل كونه عبثا وفيه نقض أصول كثيرة، وقواعدة شهيرة فما لا ورود له في التحقيق؛ لأنه لا يلزم من عدم قبحه بمجرد كونه كذبا أو يكون قبحه لمجرد كذبه عبثا، فإن صاحب هذا الجواب ما قال بأنه لا يعتبر جانب كونه كذبا، بل قال: إن علة قبح الكذب والمعلوم قبحه بالضرورة العقل مركبة كما بيناه، فكونه كذبا أحد جريها، وكونه عبثا مثلا هو الجزء الآخر بناء على أن ما لا نفع فيه ولا دفع عندهم، فيكف يلغي أحد الجزئين ويحكم بأن القبح لمجرد الجزء الآخر لا غير مع العلم باعتبار الجزئين كليهما عند صاحب هذا الجواب، فافهم هذا فإنه مع وضوحه قد خفي على الفاضل عبد الله النجري فأورد في شرح القلائد هذا الإيراد المذكور، وما أرآه إلا عن غفلة، ولو تنبه بما ذكرناه لعلم أن الإيراد لا يتجه أصلا، فقد ظهر بما ذكرناه في هذه الوجوه صحة ما ذهبنا إليه وبطلان ما تمسكتم به من مثال الكذب بكل وجه، وعلى كل تقدير يحمد ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، لا يقال تكثير هذه الوجوه في الجواب تعسير في تأويل قوله تعالى: {ختم الله على قلوبهم} حتى قال بعض المجبرة: أضطربت آراء المعتزلة في هذا المقام وسببه الغفلة منه عن أصول المعتزلة وعدم معرفة مواقع الكلام.

وأما ما يقال: من أن بعض هذه الوجوه التي ذكرتها لا يلائم مذهب المعتزلة القائلين بالحسن والقبح في آثارهم الذين وقع كلام المعترض بصدد مذهبهم، وإنما يجري على مذهب البصرية منهم وهم القائلون بأنه إنما يقبح القبيح ويحسن الحسن لوقوعهما على وجوه واعتبارات، ولا نزاع معهم، فليس بشيء؛ لأنه لا فرق بين المذهبين أصلا أي مذهب البغدادية والبصرية كما أشرنا إليه سابقا، بل لا قائل بأنه يحسن الحسن ويقبح القبيح لذاتهما أي نفس الأكوان، فإن كلا من العدل والظلم والحكمة والعبث، ورد الودية وجحودها وانتهائها أكوان، كما لا يخفى، ولو قيل: أن مرادهم أي القائلين بالحسن والقبح الذاتيين أنه يقبح القبيح [360] مثلا لكون هذه الذات والعين لزم أن يعلل الشيء بأنه ليس غيره لستوى قولنا: علة هذا الشيء هو كون إياه.

पृष्ठ 772