وحررت المرأة من حيث سفورها ومساواتها بالرجل، سياسيا واجتماعيا ومدنيا، وفتح لها مجال الكسب والتوظف في الوظائف. ولم يكن السفور بقانون، وإنما كان دعوة دعا إليها مصطفى كمال وألح فيها، فاستجابت المرأة إليه، أما مساواتها بالرجل اجتماعيا فقد شرعت في القانون المدني، فسوي بينها وبين الرجل في الميراث، واعتبر الزواج شركة تتألف من جزءين متساويين. وأخيرا شرع للمرأة مساواتها بالرجل في الحقوق السياسية، من إعطائها حق أن تنتخب وتنتخب. وعني بتعليمها، وتوسع في ذلك توسع تعليم الذكور. وفصل الدين عن الدولة، فلم يستخدم الدين في التشريع ولا في الحكم ولا في الإدارة ونحي رجال الدين عن أي تدخل في الشئون الدنيوية.
وغيرت كتابة اللغة التركية من الحروف العربية إلى الحروف اللاتينية.
هذا أهم مظاهر الانقلاب الذي حدث في تركيا؛ والذي أردت أن أفهم أثره وأطيل التفكير به، أيها يصلح لمصر وأيها لا يصلح، وهل تستطيع أن تسير في هذا الإصلاح إلى آخر الخطوات أم لا؟
ولأعرض الآن بعض مذكراتي اليومية التي كتبتها:
الاثنين 18 يونيه سنة 1928
ذهبنا صباحا إلى طوب قبو سراي وبحثنا في مكتبتها وعثرنا فيها على كتب قيمة، وفي المساء قابلنا علي بك فوزي ومكثنا معه نحو ثلاث ساعات تحدثنا فيها في شئون مختلفة.
سألته عن الحالة الاجتماعية في تركيا، فقال: يجب أن ترقبوا التطور الحادث في تركيا مراقبة دقيقة، فمصر مرتبطة بتركيا ارتباطا كبيرا من الناحية الاجتماعية، وكثير من عادات المصريين وتقاليدهم مأخوذة عن تركيا، فإذا تغيرت تركيا يوشك أن تتغير مصر، أضف إلى ذلك أن الآستانة هي البوغاز الذي تمر منه المدنية الغربية إلى مصر. ورأيي أن التيار الغربي لا يمكن مقاومته، فخير أن نستعد للسير معه قبل أن يجرفنا رغم أنوفنا.
إن أكبر مظهر للانقلاب التركي هو السفور، وقد أفاد الأمة التركية من حيث إصلاح الزواج، فكل من الزوجين يرى صاحبه ويأنس به قبل عقد الزواج، ثم إن السفور مكن المرأة من معرفة كثير من شئون الدنيا وكانت تجهلها. والسفور في صالح المرأة فالحجاب كان يحيط المرأة بهالة تمكن الرجل من الإمعان والتخيلات والجري وراء التصورات، ولذلك كثر الغزل في الأدب العربي وأمعن الغزلون في التخيلات.
وسألته عن القبعة فحبذها، وقال إنها أفضل من الطربوش للرأس والعين، وإنه يكره الطربوش ولا يحس له طعما، وحبذ تقليم الحكومة لأظفار رجال الدين لأنهم كانوا نصراء الرجعية وأداة في يد السلاطين الظالمين، ينكلون بالأمة بواسطتهم، وكان سلطانهم كبيرا على الناس، وقد استخدموا هذا السلطان في غير مصلحة الأمة، وقال إنه كان يندس بين رجال الدين من لا يتصلون بالدين، وكثير من الناس كانوا يلبسون العمامة ويغرون بها الناس، فالمتسول والمنجم وكاتب الأحجبة والدجال كل هؤلاء كانوا يلبسون العمامة ويتزيون زي رجال الدين، فما فعلته الحكومة التركية من تحريم لبس العمامة إلا لرجال الدين الرسميين عمل نافع قطع دابر كثير من وسائل التخريف والتدجيل. ولابد لكل إصلاح من ضحايا، ولابد عند منح الحرية أن يعقبها إفراط، فالتشديد على رجال الدين استتبع بعض أخطاء، وسفور المرأة استتبع بعض الزلات، ولكن الزمن كفيل بإصلاح ذلك.
قال: ومن الإفراط في الثورة الدينية ما قرأته اليوم في بعض الجرائد التركية من دعوة إلى تنظيم المساجد والصلاة تنظيما يتفق مع المدنية الحديثة، فالرجل يلبس الجزمة ويصعب عليه خلعها والرجل يلبس القبعة ويصعب عليه أن يسجد بها.
अज्ञात पृष्ठ